
د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
ليس الإيمان في حقيقته مجرد ادعاءٍ شفهي وكلمةٍ تُقال، بل هو موقف يُختبر عند الشدائد، وتضحية تُقاس بقدر الصبر والثبات، وقد ضرب القرآن الكريم أروع الأمثلة على ذلك من خلال قصة "آسية بنت مزاحم"، امرأة فرعون، التي وقفت وحدها في قصر الطغيان لتعلن انحيازها المطلق إلى الله تعالى. لم تُغْرِها السلطة، ولم تُرهِبها أدوات التعذيب، فاختارت جوار الله على نعيم زائل، والدار الآخرة على متاع الدنيا، فجعلها الله مثالًا خالدًا للإيمان الصادق، ودليلًا على أن الثبات على الحق لا يعرف ضعفًا ولا استسلامًا.
صبرت آسية بنت مزاحم على تكاليف الإيمان وتعرضت للأذى والتعذيب، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، كانت ترى بيتها في الجنة (1).
كانت كلمة واحدة تنقذها من القتل البشع وتعيدها لترفل في النعيم، ربه التاج في مصر، فماذا اختارت آسية بنت مزاحم؟ اختارت رضى الله والقرب منه ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، لقد اختارت كما يقول العلماء: الجار قبل الدار، اختارت ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ولم تقل: رب ابن لي بيتاً عندك في الجنة، ولقد حقق الله الأمل والرجاء بعد أن صبرت على البلاء والتضحية (2).
إن الإيمان ليس كلمة تقال، إنما حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر واحتمال، فلا يمكن أن يقول الناس: آمنّا وهم لا يتركون لهذه الدعوة، حتى يتضرعوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتتن النار الذهب لتفصل بينه وبين هذه العناصر الرخيصة العالقة به، وهذا أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب (3).
امرأة فرعون "آسية بنت مزاحم" آمنت بالله عزّ وجل، ورأت النور بقلبها فعذبها فرعون ولكنها صبرت وتعلقت بالله تعالى وناجته ودعته فاستجاب الله دعاءها، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾]التحريم:١١[.
إن القرآن الكريم حدثنا عن نموذج من عالم النساء اختارت العبودية المطلقة لله تعالى، فتحققت لها ذلك يوم أن صدقت مع الله فصدق الله معها: فالمرأة في القرآن لا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجل وطغيانه ولا ينفعها وهي صالحة صلاح الرجل وتقواه، فإنها ذات مسؤولية مستقلة فيما يتعلق بشؤونها أمام الله، فلا شكّ إذن في اهتمام القرآن بالمرأة من حيث تسويته بين الرجل والمرأة أمام التكليف الشرعي والجزاء الأخروي، وأن كل منهما مسؤول عن نفسه مسؤولية مستقلة عن الآخر (4).
هذه آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وسيدة مصر الأولى تَضرب مثلاً طيباً للمرأة المؤمنة الصالحة في البيئة الفاسدة المرأة التي واجهت الإغراءات والمساومات والترغيب والترهيب والتعذيب بصبر وثبات المرأة التي لم تغتر بجمالها ولم تغتر بسلطانها، المرأة التي تتخلى عن المتع الفانية والأعراض الزائلة وتتطلع إلى ما عند الله تعالى.
فآسيا هي تلك المرأة التي ترتقي إلى أعلى الدرجات في عالم المرأة، ويقترن ذكرها بمريم بنت عمران وبخديجة بنت خويلد، وبفاطمة بنت محمد ﷺ، لم تصل إلى هذه المكانة الرفيعة بجمالها ولا بمالها ولا بسلطانها، وإنما وصلت إليها بإيمانها وعملها الصالح ودعوتها إلى الحق، ألا ما أحوجنا في عصرنا هذا إلى مثل هذه الأمثلة الرائعة وهذه النماذج الطيبة (5).
إن آسية بنت مزاحم كانت نموذجاً في الثبات وصلابة الإيمان وقوة المعتقد، ولم يضرها كفر زوجها وطغيانه إذ كانت مؤمنة بالله لأن من أحكام الله في خلقه ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (6). ولم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه في قصر فرعون عن طلب النجاة وحدها وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتاً في الجنة، وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه، وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها منه شيء وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش معهم.
أبصرت آسية النور وأبصرت طريق الحق، وأبصرت طريقاً محفوفاً بالدماء والأشلاء ومع هذا قدرت أن تسير مهما كانت معالم هذا الطريق.
وحين علم فرعون بإيمانها تفانى في تعذيبها والتنكيل بها، فصبرت ثباتاً على مبدئها واحتساباً لأجرها على الله ورفضت كل المساومات واستعاذت بالله من الفتنة في الدين والتجأت إليه في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط فرعون، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي (7).
في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء واختارت جوار الله والدار الآخرة على العيش في البيئة الآسنة الفاسدة قائلة: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾]التحريم:١١[.
يا الله: دعوة شاملة كاملة فيها مقاصد عديدة ومتطلبات كثيرة، بدأت فيها بلفظ رب،وذلك تمجيداً لله سبحانه، ثم طلبت أن يبني لها بيتاً، وقد حددت مكانه قبل أن تحدد وصفه ولم ترض بأي منزلة، ولم تقل عند نبيك موسى أو هارون، بل قالت عندك أنت، وهنا يدل على سمو النفس ورفعتها ثم ذكرت بعدها الجنة، قهي لم تطلب الدنيا وشهواتها بل طلبت الآخرة فخصّت فرعون لأنه هو أساس البلاء والفساد وبدأت بالخاص قبل العام، فقالت: فرعون، ثم عمله، ثم القوم الظالمين، فلله درّك ما أفهمك وما أعقلك، فاستجاب الله لها، وقبضها إليه، وبنى لها بيتاً في الجنة، وكان ثوابها عنده عظيماً ورفع مقامها في الدنيا والآخرة، وجعلها مثلاً خالداً في كتابه لعباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾]التحريم:١١ [(8).
لقد ضربت لنا آسية بنت مزاحم أروع الأمثلة في الولاء والبراء، فكانت أنموذجاً في الثبات وصلابة الإيمان، ولم تخشَ من سطوة زوجها، بل استعلت على كل هذه المغريات ووقفت أمامها بصلابة وتبرأت من فرعون وقومه، ووقفت وهي المرأة الضعيفة الخلقة، تتحدى فرعون أعتى أهل الأرض وأشدهم طغياناً، ومن سيرتها في القرآن الكريم نلاحظ أن الولاء والبراء صفة أولياء الله، فهو تعالى وليّهم وناصرهم ومغنيهم ومجيب دعوتهم.
ولقد كانت آسية بنت مزاحم رضي الله عنها قوية الإيمان، مطيعة لله ورسوله، سريعة الاستجابة للدين مبغضة لأهل الكفر والضلال كما كان ولاؤها لموسى عليه السلام وبراءتها من فرعون وعمله، وطلب النجاة منه، ومن عمله، ومن القوم الظالمين (9).
من خلال نموذج امرأة فرعون يثبت لنا القرآن الكريم أن المرأة وخلافاً لما أشيع عنها من أنها تمثل كائناً ضعيف الإرادة منقاداً للتأثيرات المختلفة، فمن الممكن أن تكون على العكس من ذلك، نظيرةً للرجل، بل أحياناً أقوى في قوة الإرادة واستقلالية التفكير وعدم الخضوع لأي تأثير يتنافى مع قناعتها ورؤاها، بل والجهاد والكفاح وتحمل المصائب في سبيل القناعة الإيمانية ونورها الرباني.
فقد ناظرت ونافست في مجال الدعوة إلى الله وفعل الخير وحماية المستضعفين، وكانت تمتلك من القدرات والاستعدادات ما يجعلها تحكّم تفكيرها وعقلها فيما يعرض عليها من الأمور، ثم تختار الأصح والأصلح على ضوء ذلك التفكير، ومن ثم تجاهد وتصمد وتقاوم في طريق تلك القناعات (10).
المصادر والمراجع:
(1) صحيح الأنبياء المسند من أحاديث الأنبياء، سليم بن عيد الهلالي، (٢/٦٢٩).
(2) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١٠٣.
(3) في ظلال القرآن، سيد قطب، (٥/٢٧٢٠).
(4) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١٠٤.
(5) المرأة في القصص القرآني، أحمد محمد الشرقاوي، حلب، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2011م، (١/٤٢٧).
(6) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١٠٥.
(7) المصدر السابق، ص١١١.
(8) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١١٢.
(9) المصدر السابق، ص١١٢.
(10) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (٦/٢٣٣).
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












