ترك برس

بعد نحو عامين من سقوط نظام بشار الأسد، تبدو دمشق، وفق انطباعات الكاتب التركي محمد آجت، أمام مرحلة مختلفة تتداخل فيها تحديات إعادة بناء الدولة والاقتصاد مع فرص الانفتاح الدولي، فيما تبرز تركيا، في قراءته، باعتبارها أحد أبرز الأطراف الداعمة لمسار الاستقرار وإعادة الإعمار في سوريا.

وفي مقال نشرته صحيفة "خبر 7" التركية، استعرض الكاتب تجربته خلال مرافقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في زيارة إلى دمشق استمرت نحو 30 ساعة، متوقفا عند مشاهداته في العاصمة السورية، ولقاءاته وملاحظاته بشأن مستقبل البلاد، فضلا عن تقييمه لطبيعة الدور التركي في المرحلة الجديدة.

واستعاد الكاتب، لدى وصوله إلى دمشق، مشهدا يعود إلى الأيام الأولى التي أعقبت سقوط نظام البعث في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما كان فيدان من أوائل المسؤولين الذين استقبلهم الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الرئاسة بدمشق.

ويرى آجت أن الصورة التي ظهر فيها الشرع آنذاك مرتديا بدلة وربطة عنق حملت دلالة رمزية لافتة، إذ بدت، بحسب قراءته، بمثابة إعلان عن انتقال القيادة السورية الجديدة من مرحلة العمل العسكري إلى السعي للظهور كطرف سياسي مستعد للتعامل مع المجتمع الدولي.

ويعتبر الكاتب أن ظهور الشرع بهذه الهيئة إلى جانب وزير الخارجية التركي حظي باهتمام إعلامي دولي، لأنه عكس، في نظره، مؤشرا على حجم الدور الذي لعبته تركيا في المرحلة الانتقالية السورية، وعلى أن الإدارة الجديدة في دمشق تنظر إلى أنقرة باعتبارها شريكا رئيسيا في مسارها السياسي.

إسرائيل في صدارة المخاوف

ويشير آجت إلى أن أحد أبرز الملفات التي حضرت في تصريحات فيدان ونظيره السوري أسعد الشيباني خلال المؤتمر الصحفي المشترك في دمشق كان ما وصفه بـ"التهديد الإسرائيلي".

فقد أكد فيدان، بحسب الكاتب، أن سوريا تمثل تطورا يمنح المنطقة والعالم أملا، في مقابل وجود طرف يسعى إلى زعزعة استقرارها، معتبرا أن إسرائيل هي هذا الطرف.

ويرى آجت أن الموقف السوري جاء منسجما مع هذا التقييم، إذ تحدث الشيباني عن أن محاولات عرقلة التقارب السوري التركي تعكس رغبة في إبقاء المنطقة في حالة ضعف وانقسام.

ويضع الكاتب هذه المواقف في سياق أوسع، معتبرا أن سوريا الخارجة من حرب طويلة تواجه تحديا مزدوجا: إعادة بناء مؤسساتها وتوحيد أراضيها من جهة، والتعامل مع ما يراه تهديدات خارجية من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، يلفت إلى تأكيد الشيباني ضرورة بناء جيش وطني واحد، وحصر السلاح في المؤسسات الشرعية، وإعادة دمج شمال شرقي سوريا ضمن الدولة السورية، وهي رؤية يرى الكاتب أنها تتقاطع إلى حد كبير مع الموقف التركي.

من جبل قاسيون.. قراءة في ماضي دمشق ومستقبلها

ومن أكثر المشاهد التي توقف عندها الكاتب خلال زيارته دمشق، صعوده إلى جبل قاسيون برفقة صحفيين أتراك، وهو المكان الذي سبق أن زاره فيدان مع أحمد الشرع قبل نحو 21 شهرا.

ومن أعلى الجبل، يستعرض آجت صورة بانورامية للعاصمة السورية، متوقفا عند أحيائها التاريخية، ومنها المنطقة التي تضم الجامع الأموي، ومقامات شخصيات بارزة مثل محيي الدين بن عربي وصلاح الدين الأيوبي، إلى جانب أحياء المهاجرين وركن الدين والصالحية التي استقر فيها مهاجرون قدموا من تركيا قبل نحو قرن.

وفي المقابل، يلفت إلى انتشار مبان حديثة بدأ نظام الأسد في تشييد بعضها لخدمة المقربين منه، بينما لا تظهر من جبل قاسيون بصورة واضحة المناطق التي كانت الأكثر تعرضا للحرب والدمار.

لكن المشهد يتغير، وفق الكاتب، عندما يتجه النظر نحو الجنوب، حيث يظهر جبل الشيخ والجولان المحتل. ويرى آجت أن الوجود الإسرائيلي في المناطق السورية التي سيطر عليها بعد سقوط نظام الأسد يمثل، في تقديره، أحد أبرز التحديات أمام قدرة سوريا الجديدة على استعادة استقرارها.

ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا لا تقتصر على منع تعاظم قوتها، بل تهدف، بحسب رؤيته، إلى إبقاء الدولة السورية ضعيفة ومنقسمة وغير قادرة على استعادة عافيتها بعد سنوات الحرب.

دمشق.. مدينة تحاول استعادة الحياة

ورغم حجم الدمار الذي خلفته الحرب، يقول آجت إنه فوجئ بما وصفه بـ"المزاج الإيجابي" الذي لاحظه على وجوه سكان دمشق.

ويصف الشوارع والميادين بأنها كانت مكتظة بالناس، مشيرا إلى أنه لمس لدى السكان شعورا بالحياة والكرامة والسلام، رغم خروج البلاد حديثا من حرب طويلة.

ويرى الكاتب أن هذا المشهد يعكس رغبة السوريين في تجاوز سنوات الصراع والانطلاق نحو مرحلة أكثر استقرارا، مشيرا إلى أن السوريين الذين التقاهم أبدوا مشاعر إيجابية تجاه تركيا، وأن معرفتهم بقدوم الزائر من تركيا كانت، بحسب وصفه، تقابل بعبارات امتنان باللغة التركية.

ويعتبر آجت أن مجرد ابتعاد السوريين عن أجواء القصف والخوف يمثل بحد ذاته تطورا بالغ الأهمية، لأن استعادة الحياة الطبيعية، في رأيه، تشكل الشرط الأول لأي عملية سياسية واقتصادية طويلة الأمد.

رفع العقوبات يفتح نافذة اقتصادية

وفي الجانب الاقتصادي، يرى الكاتب أن سوريا تقف أمام فرصة كبيرة بعد رفع العقوبات الدولية عنها وإخراجها من قوائم الدول التي كانت مصنفة ضمن الدول الداعمة للإرهاب.

ويعتقد أن هذا التطور يمكن أن يفتح الطريق أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، ويساعد دمشق على إعادة بناء اقتصادها واستعادة مؤسسات الدولة.

ويستشهد آجت بمؤشرات يراها دالة على بدء عودة الحياة تدريجيا إلى العاصمة، مشيرا إلى أن سكان دمشق كانوا يحصلون في أعقاب الحرب على الكهرباء لنحو ساعة يوميا، بينما أصبح التيار متاحا الآن لنحو نصف اليوم، مع مساهمة ألواح الطاقة الشمسية المنتشرة على أسطح المنازل في سد جزء من الاحتياجات.

وفي المقابل، يلفت إلى استمرار تحديات كبيرة، من بينها ارتفاع أسعار الإيجارات نتيجة نقص المعروض من المساكن، فضلا عن استمرار أعمال إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق التي دمرتها الحرب.

ويشير الكاتب إلى أن النشاط التجاري للسوريين الذين غادروا البلاد خلال سنوات الحرب ثم بدأوا العودة إليها يمثل، بحسب المعلومات التي تلقاها في دمشق، أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد السوري، ولا سيما مع عودة عدد من رجال الأعمال والتجار الذين عاشوا خارج البلاد، ومن بينهم من أقاموا في تركيا.

السوريون العائدون من تركيا.. فرصة لأنقرة ودمشق

وفي قراءة تحمل بعدا خاصا للعلاقات التركية السورية، يتوقف آجت عند معلومة مفادها أن أكثر من نصف العاملين في الحكومة السورية الجديدة سبق أن عاشوا في تركيا خلال سنوات الحرب.

ويرى أن هذه الحقيقة تمثل فرصة استثنائية للعلاقات بين البلدين، بالنظر إلى ما اكتسبه هؤلاء من خبرات وعلاقات خلال سنوات إقامتهم في تركيا، وما يمكن أن يشكلوه من جسر بشري واقتصادي وسياسي بين أنقرة ودمشق.

كما يرى الكاتب أن إدارة أحمد الشرع تحاول، بحسب ملاحظاته، تعزيز فكرة سوريا الموحدة أرضا وشعبا، من خلال إبقاء مؤسسات الدولة والحكومة والوزارات ومجلس الشعب مفتوحة أمام مختلف المكونات.

وفي المحصلة، يخلص آجت إلى أن دمشق لا تزال تواجه تحديات ضخمة، من إعادة الإعمار وتوحيد مؤسسات الدولة إلى حماية الاستقرار ومواجهة التدخلات الخارجية، لكنها في الوقت نفسه دخلت، بحسب تقييمه، مرحلة جديدة تختلف جذريا عن سنوات الحرب.

ومن وجهة نظر الكاتب، تبدو تركيا أحد أهم الأطراف القادرة على المساهمة في هذه المرحلة، ليس فقط على المستوى السياسي والأمني، وإنما أيضا عبر العلاقات الاقتصادية والتجارية وعودة السوريين الذين عاشوا على أراضيها، الأمر الذي قد يجعل العلاقة بين أنقرة ودمشق عاملا مؤثرا في رسم ملامح سوريا الجديدة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!