ترك برس

في تحليل نشره "مركز دراسات الشرق الأوسط / أورسام" التركي، يرى الخبير قادر تميز أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر يومي 1 و2 أيلول/سبتمبر 2026 تتجاوز كونها زيارة بروتوكولية بمناسبة الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. فالزيارة، التي تأتي بعد انقطاع دام عشر سنوات، تحمل أبعاداً استراتيجية أوسع، خاصة أنها تسبق لقاءً متوقعاً بين شي والرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية الشهر نفسه.

ويشير تميز إلى أن اختيار مصر لم يكن صدفة. فالقاهرة كانت أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين عام 1956، كما أنها تتمتع بموقع جيوسياسي فريد يربط أفريقيا بالبحر المتوسط والبحر الأحمر والشرق الأوسط، وتسيطر على قناة السويس، وتمتلك ثقلاً دبلوماسياً في القضية الفلسطينية. ولهذا السبب، ينظر إليها الصين كشريك ثنائي مهم وكنقطة ارتكاز للوصول إلى العالمين العربي والأفريقي الأوسع.

الاقتصاد أولاً.. لكن بشروط جديدة

يؤكد التحليل أن السياسة الصينية التقليدية في الشرق الأوسط ما زالت تقوم على مبدأ «الاقتصاد أولاً». فبكين تتجنب التورط المباشر في الأزمات السياسية والعسكرية، وتركز بدلاً من ذلك على التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والترابط. غير أن التعاون مع مصر تجاوز اليوم مشاريع «الحزام والطريق» التقليدية، ليمتد إلى مجالات أكثر تقدماً مثل مراكز البيانات وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية والاقتصاد الرقمي والسيارات الكهربائية والطاقة الخضراء والتكنولوجيا العالية. وقد أسفرت الزيارة عن توقيع أكثر من 20 اتفاقية تعاون ضمن إطار استراتيجي شامل.

ويرى تميز أن هذه الأولوية الاقتصادية لم تعد اختياراً فحسب، بل أصبحت ضرورة ملحّة. فالتباطؤ الهيكلي في الاقتصاد الصيني، مقترناً بأزمة الطلب الداخلي وقطاع العقارات، تفاقم بفعل تأثيرات الحرب في المنطقة على أسواق الطاقة العالمية. وبعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى انخفاض واردات الصين من النفط الخام عبر البحر بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في آب/أغسطس. وبما أن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن استقرار الشرق الأوسط لم يعد مجرد قضية دبلوماسية أو وساطة، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بأمن الطاقة والاقتصاد الصيني.

مقترح أمني رباعي الأبعاد

من أبرز النتائج السياسية للزيارة، بحسب التحليل، المقترح الرباعي الذي طرحه شي جين بينغ لإرساء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط. ودعا الرئيس الصيني إلى أن يكون شعوب المنطقة «أسياد شؤونهم الخاصة»، وتقليل التدخلات الخارجية، ومعالجة الأمن بشكل شامل، ووضع التنمية في صميم الأمن، وتعزيز التنسيق الدولي.

ويوضح تميز أن هذا الخطاب يمثل تكييفاً للنهج الصيني التقليدي مع الظروف الجديدة. فبكين لا تسعى إلى أن تحل محل الولايات المتحدة كقوة عسكرية مهيمنة، بل تطمح إلى نظام إقليمي يتمتع فيه الدول باستقلالية استراتيجية أكبر، مع احتفاظ الصين بنفوذها الاقتصادي والدبلوماسي والسياسي. ويجد هذا التوجه تقاطعاً غير مباشر مع مساعي إقليمية مثل «تحالف مكة الدفاعي» بين تركيا والسعودية وباكستان، رغم أن الصين ليست جزءاً مباشراً منه. غير أن الشرط الأساسي لبكين يبقى أن لا تتحول مثل هذه التشكيلات إلى تكتلات معادية لإيران أو إلى محاور جديدة.

خطاب الحضارات القديمة

لم يغفل التحليل البعد الرمزي للزيارة، متمثلاً في زيارة شي والرئيس عبد الفتاح السيسي المشتركة للمتحف المصري الكبير. فقد وصف شي الصين ومصر بأنهما حضارتان عريقتان، ودعا في إطار «مبادرة الحضارة العالمية» إلى المساواة والتعلم المتبادل والحوار والشمولية بين الحضارات. ويُعتبر مصر، في نظر الصين، شريكاً مثالياً في هذا الخطاب، كونها حضارة غير غربية عريقة، وتمتلك تقاليد دولة قوية، وتُعد مركزاً سياسياً مهماً في الجنوب العالمي.

خاتمة: رسالة دقيقة إلى واشنطن

يخلص قادر تميز إلى أن زيارة شي إلى القاهرة تمثل خطوة متعددة الطبقات تجمع بين الاقتصاد والأمن وخطاب الحضارة. ففي الوقت الذي تستعد فيه الصين لمحادثات حاسمة مع الولايات المتحدة، تتجنب بكين المواجهة المباشرة مع واشنطن، وتوجه بدلاً من ذلك رسالة أكثر دقة: حتى لو لم تكن الصين بديلاً عسكرياً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن أي نظام إقليمي جديد في مجالات الطاقة والتجارة والتنمية والدبلوماسية والأمن الإقليمي سيصبح أقل استدامة إذا تم تجاهل الدور الصيني.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!