
ترك برس
في قلب مدينة سيواس التاريخية، حيث تتقاطع طرق الأناضول وتلتقي ذكريات النضال الوطني، يقف مبنى فريد يجسد لحظة مفصلية في تاريخ تركيا الحديث. هذا المبنى، الذي تحول اليوم إلى متحف أتاتورك والمؤتمر، لم يكن مجرد مدرسة أو مقر إداري، بل أصبح خلال أشهر حاسمة من عام 1919 مقراً رئيسياً للحركة الوطنية التركية، وشاهداً على اجتماعات وضع فيها أسس الإرادة الشعبية والاستقلال.
هنا، بين جدرانه الحجرية وقاعاته الخشبية، اجتمع مصطفى كمال أتاتورك وهيئة التمثيل ليرسما ملامح مستقبل الأمة، مؤكدين أن إرادة الشعب فوق كل ضغوط ووصايات. إن زيارة هذا المكان ليست مجرد جولة في متحف، بل رحلة إلى لحظة ميلاد الجمهورية التركية، حيث تتحول الجدران والوثائق إلى شهود أحياء على الإصرار والعزيمة.
شُيّد المبنى في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1892 (الموافق 12 ربيع الأول 1310 هـ) بمبادرة من والي سيواس مظلوم باشا زاده محمد ممدوح بك، ليكون مدرسة مدنية إعدادية (مُلكي إيدادي). وما زالت اللوحة التأسيسية المكونة من أربعة أسطر محفوظة في متحف سيواس تشهد على هذا التاريخ.
يُعد المبنى نموذجاً بارزاً من العمارة المدنية العثمانية المتأخرة في القرن التاسع عشر، فهو ذو ثلاثة طوابق وباحة داخلية، استُخدم الحجر في واجهاته الخارجية والخشب في فضاءاته الداخلية، ويجمع بين الطابع الباروكي والنيوكلاسيكي في تصميمه المتناظر.
ظل المبنى يؤدي وظيفته التعليمية طوال عقود تحت أسماء متتالية: الإعدادية، ثم السلطانية، ثم ثانوية سيواس، وأخيراً ثانوية المؤتمر، حتى عام 1981.
في الفترة ما بين 2 أيلول/سبتمبر و18 كانون الأول/ديسمبر 1919، تحول المبنى إلى «مقر النضال الوطني» لمدة ثلاثة أشهر ونصف تقريباً، حيث أقام فيه مصطفى كمال أتاتورك وهيئة التمثيل. وخلال هذه الفترة، وتحديداً بين 4 و12 أيلول/سبتمبر 1919، عُقد مؤتمر سيواس في قاعة الاحتفالات بالمبنى.
شارك في المؤتمر ممثلون عن تسع عشرة ولاية، بلغ عددهم في البداية اثنين وثلاثين عضواً، وإن تغير العدد لاحقاً بدخول مندوبين إضافيين. في هذه القاعة اتخذت قرارات تاريخية أكدت وحدة الوطن ورفض التقسيم والوصاية الأجنبية، وأثبتت أن إرادة الأمة فوق كل سلطة فردية أو جماعية، مما مهد الطريق لتأسيس الجمهورية.
حافظ المتحف على قاعة المؤتمر التاريخية وغرفة عمل أتاتورك وغرفة استراحته بالحالة التي كانت عليها أيام انعقاد المؤتمر، ليعيش الزائر أجواء تلك الأيام الحاسمة.
وفي الطابق العلوي تُعرض صالات متخصصة: صالة تروي أحداث ما قبل المؤتمر وتضم بيانات أتاتورك وتعاميمه التحضيرية، وغرفة التلغراف التي كانت وسيلة الاتصال الأساسية آنذاك، وصالة محاضر المؤتمر، وصالة وثائق جمعية نساء الأناضول للدفاع عن الوطن التي تأسست في سيواس، بالإضافة إلى صالة تعرض آلة الطباعة التي طُبعت عليها صحيفة «إرادة مليّة» ونسخاً منها.
كما يحتفظ المتحف بنسخ من الوثائق الرسمية المتعلقة بقرارات سيواس المستمدة من أرشيف رئاسة الجمهورية وأرشيفات رئاسة الأركان ومركز أبحاث أتاتورك.
بعد أن ظل المبنى مدرسة حتى عام 1981، نُقل بناءً على توجيهات الرئيس كنعان إيفرين إلى وزارة الثقافة والسياحة عام 1984، وأُجريت أعمال الترميم والتجهيز ليُفتتح متحفاً.
في البداية خُصص الطابق السفلي للمخازن والمختبر وغرفة التصوير، والطابق الأرضي لمتحف الإثنوغرافيا، والطابق العلوي لمتحف أتاتورك والمؤتمر.
وفي السنوات اللاحقة خضع المبنى لترميمات إضافية وأصبح يعمل تحت اسم «متحف أتاتورك والمؤتمر» تابعاً لمديرية متاحف سيواس.
اليوم يقف هذا المتحف شاهداً حياً على لحظة تحول تاريخية، حيث تحولت مدرسة عادية إلى رمز للإرادة الوطنية والاستقلال. جدرانه لا تروي فقط قصة مؤتمر، بل قصة أمة قررت أن تصنع مصيرها بيدها، وتظل قاعاته ووثائقه تدعو الزائر إلى التأمل في قيم الوحدة والعزيمة التي أرست أسس الجمهورية التركية الحديثة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











