
ترك برس
في خضم حملته الانتخابية، وقبل أيام من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجومه على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مطلقاً اتهامات ضد أنقرة بشأن سياساتها الإقليمية وموقفها من القدس، في تصعيد سياسي تعتبره تركيا محاولة لتوظيف العداء لأردوغان في المعركة الانتخابية الإسرائيلية، وحشد التأييد الداخلي في ظل الضغوط التي يواجهها نتنياهو.
وجاءت تصريحات نتنياهو في مقابلة بثتها القناة الـ14 الإسرائيلية، الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع احتدام المنافسة السياسية قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، والتي تشكل اختباراً سياسياً لحكومته على خلفية الحرب في غزة وتداعياتها الداخلية والإقليمية.
ورغم إعلانه أنه لا يرغب في مواجهة مباشرة مع تركيا، اتهم نتنياهو أنقرة بالسعي إلى التصعيد مع إسرائيل، ووجّه انتقادات حادة إلى أردوغان، زاعماً أن الرئيس التركي يسعى إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية وإعادة بسط النفوذ التركي على القدس.
وقال نتنياهو إن المنطقة لم تعد تعيش في القرن السادس عشر، حين سيطر العثمانيون عليها وحكموها لنحو أربعة قرون، مضيفاً أن إسرائيل تمتلك اليوم القوة العسكرية والاستقلال السياسي اللذين يمنعانها، بحسب تعبيره، من الرضوخ لأي ضغوط.
وذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى وصف تركيا بأنها تقود ما سماه «محوراً سنياً متطرفاً»، معتبراً أن إسرائيل، بعدما اقتربت وفق ادعائه من تدمير «المحور الشيعي المتطرف»، لن تقبل بالخضوع لمحور آخر تقوده أنقرة.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق الخلافات المتصاعدة بين البلدين بشأن القضية الفلسطينية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فضلاً عن تباين مواقفهما حيال التطورات الإقليمية، ولا سيما في سوريا.
أنقرة: نتنياهو يوظف العداء لأردوغان في معركته الانتخابية
وفي رد تركي شديد اللهجة، اعتبر المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشليك أن استهداف نتنياهو المتكرر للرئيس أردوغان لا يمكن فصله عن حساباته الانتخابية الداخلية، ومحاولاته استعادة التأييد الشعبي من خلال تصوير تركيا بوصفها خصماً لإسرائيل.
وقال تشليك، في تصريحات أدلى بها الثلاثاء عقب اجتماع اللجنة المركزية للحزب برئاسة أردوغان في أنقرة، إن نتنياهو يحاول بناء حملته الانتخابية على معاداة الرئيس التركي كلما تراجعت أرضيته السياسية.
وأضاف: «كلما خسر نتنياهو أرضية، حاول بناء حملته الانتخابية على معاداة رئيسنا، ولا نعير لذلك أي اعتبار».
وشدد تشليك على أن التصريحات الإسرائيلية التي تستهدف أردوغان وتركيا وحزب العدالة والتنمية وتحالف الجمهور «لا قيمة لها»، واصفاً إياها بأنها قائمة على الأوهام والأكاذيب السياسية.
وأكد أن بلاده ستواصل الدفاع عن مواقفها والتعبير عنها بصوت مرتفع، باعتبارها، وفق وصفه، صوتاً قوياً لما تسميه أنقرة «تحالف الإنسانية».
أردوغان في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي
ولا يُعد توظيف الخلاف مع الرئيس التركي في الخطاب الانتخابي لنتنياهو تطوراً جديداً، إذ سبق أن أثار حزب الليكود الإسرائيلي ردود فعل تركية بعدما استخدم صورة أردوغان في مواد دعائية انتخابية خلال أغسطس/آب الماضي.
واعتبر تشليك حينها أن استهداف الرئيس التركي يعكس الضغوط السياسية الداخلية التي يواجهها نتنياهو، وأن الهجمات المتكررة على أردوغان ترتبط بموقفه الرافض للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
ويكتسب الهجوم الأخير أهمية إضافية لوقوعه قبل أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى تعبئة قاعدته الانتخابية، وإبراز نفسه بوصفه القادر على مواجهة التحديات والخصوم الإقليميين.
ومن منظور أنقرة، فإن استحضار أردوغان وتركيا في هذا التوقيت يندرج ضمن محاولة نقل جانب من الجدل الانتخابي إلى ملفات الأمن القومي والصراعات الخارجية، بدلاً من التركيز على الانتقادات الداخلية المتعلقة بأداء الحكومة وتداعيات الحرب.
وفي المقابل، يضع نتنياهو تصريحاته ضمن خطابه المتعلق بالأمن الإسرائيلي ومواجهة ما يعتبره تهديدات إقليمية، وهو ما يعكس اختلافاً جوهرياً بين تفسير أنقرة لدوافعه السياسية والرواية التي يقدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي لجمهوره.
القدس وفلسطين في صلب الخلاف
وتشكل القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها وضع القدس والاعتداءات الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية، أحد أبرز أسباب التوتر بين أنقرة وتل أبيب.
وتؤكد تركيا، في مواقفها الرسمية، أن دفاعها عن القدس والمسجد الأقصى والحقوق الفلسطينية يستند إلى اعتبارات تاريخية ودينية وإنسانية، وإلى تمسكها بالقانون الدولي، وليس إلى طموحات لإحياء الإمبراطورية العثمانية كما يزعم نتنياهو.
وتتبنى أنقرة موقفاً داعماً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وترفض الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة.
وكان أردوغان قد وصف إسرائيل في تصريحات سابقة بأنها «منبع المشكلات في المنطقة»، محذراً من أن استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يفاقمان التوتر ويهددان استقرار الشرق الأوسط بأكمله.
كما اتهم إسرائيل بمحاولة استكمال سياسات التهجير التي انتهجتها في قطاع غزة داخل الضفة الغربية، مؤكداً أن تداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تقتصر على الفلسطينيين واللبنانيين، بل تمتد إلى شعوب المنطقة كافة.
وترى أنقرة أن محاولات تصوير دفاعها عن الحقوق الفلسطينية باعتباره مشروعاً توسعياً تركياً تهدف إلى صرف الأنظار عن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال والوضع الإنساني في غزة ومستقبل الدولة الفلسطينية.
اتهامات تركية بعرقلة المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار
وفي سياق متصل، اتهم تشليك حكومة نتنياهو بمحاولة عرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، رغم موافقة حركة حماس عليها، وفق الرواية التي قدمها.
وقال إن الحكومة الإسرائيلية تواصل فرض العراقيل أمام إدخال المساعدات الإنسانية بالكميات المطلوبة، إلى جانب استمرار الهجمات التي تؤدي إلى سقوط ضحايا فلسطينيين.
واعتبر أن هذه السياسات تعكس إصرار حكومة نتنياهو على إبقاء التوتر قائماً، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والانتخابية عليها.
كما حذر تشليك من التطورات في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن إسرائيل تعمل على انتزاع المزيد من الأراضي الفلسطينية تحت مسمى التوسع الاستيطاني.
ورفض المتحدث التركي وصف هذه الأنشطة بأنها مجرد إقامة مستوطنات، معتبراً أنها تمثل استيلاءً على أراضٍ يملكها الفلسطينيون، ومشدداً على أن أنقرة ستواصل العمل لمواجهة هذه الإجراءات.
وأوضح أن أردوغان يقود تحركاً دبلوماسياً مكثفاً لمنع المزيد من التدهور في الأراضي الفلسطينية، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
تباين استراتيجي يتجاوز التصريحات
ولا تنفصل المواجهة الكلامية الأخيرة عن التباين الواسع في رؤية البلدين للترتيبات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
فبينما تؤكد تركيا أن سياستها الإقليمية تستهدف حماية أمنها القومي وتعزيز الاستقرار ومنع اتساع النزاعات، تنظر الحكومة الإسرائيلية بقلق إلى تنامي الدور التركي في عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها سوريا.
وتُعد سوريا إحدى ساحات التباين بين الطرفين، في ظل اختلاف أولوياتهما الأمنية ومواقفهما من الترتيبات العسكرية والسياسية المستقبلية.
وفي الوقت ذاته، تؤكد أنقرة أن موقفها من إسرائيل يرتبط أساساً بسياسات حكومتها تجاه الفلسطينيين، وليس بعداء للشعب الإسرائيلي أو برغبة في الدخول في مواجهة عسكرية.
وتتمسك القيادة التركية بالعمل الدبلوماسي والضغط السياسي من أجل وقف الاعتداءات وحماية المدنيين، مع التأكيد على رفض محاولات فرض واقع إقليمي جديد على حساب الحقوق الفلسطينية.
انتخابات إسرائيلية تعيد الخلاف مع تركيا إلى الواجهة
ويأتي التصعيد اللفظي في مرحلة انتخابية حساسة بالنسبة لنتنياهو، الذي يخوض المنافسة وسط انقسامات سياسية داخل إسرائيل بشأن إدارة الحرب ومستقبل الأمن والعلاقات الإقليمية.
وتشير التغطيات الانتخابية إلى أن الحملة لا تقتصر على القضايا الأمنية، بل تشمل أيضاً الانتقادات الموجهة إلى أداء الحكومة ومسؤوليتها عن تداعيات أحداث السنوات الثلاث الماضية، فضلاً عن مستقبل التحالفات الحزبية وقدرتها على تشكيل حكومة جديدة.
وفي هذا المناخ، ترى القيادة التركية أن نتنياهو يسعى إلى استثمار الخلاف مع أردوغان انتخابياً من خلال مخاطبة شرائح من الناخبين الإسرائيليين بخطاب قائم على إبراز التهديدات الخارجية والتشديد على القوة العسكرية.
ويعزز هذا التفسير، من وجهة النظر التركية، تكرار استهداف أردوغان في تصريحات نتنياهو وفي الدعاية الانتخابية لحزبه، رغم تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه لا يرغب في مواجهة مباشرة مع أنقرة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن الخلاف التركي الإسرائيلي بات حاضراً في السجال السياسي الداخلي الإسرائيلي، إلى جانب ملفات غزة وإيران وسوريا.
وفي حين يحاول نتنياهو تقديم مواقفه باعتبارها دفاعاً عن أمن إسرائيل ومصالحها، تصر أنقرة على أن هجماته ضد أردوغان مرتبطة بحساباته الانتخابية وسعيه لحشد الأصوات، مؤكدة أن تلك التصريحات لن تدفعها إلى التراجع عن مواقفها بشأن القدس وفلسطين.
وبذلك، تعكس المواجهة الأخيرة بين الطرفين تداخلاً بين الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والخلافات الإقليمية الأوسع، فيما تتمسك تركيا، وفق خطابها الرسمي، بمواصلة تحركاتها الدبلوماسية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية ومنع مزيد من التصعيد في المنطقة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











