ترك برس

تستعد مؤسسة البريد التركية (PTT) لإنهاء نشاطها في شمالي سوريا وإغلاق مراكزها قبل نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد نحو تسع سنوات من تقديم الخدمات المالية والبريدية للسكان، في خطوة تتزامن مع إعلان المؤسسة السورية للبريد تسلّم المكاتب التي كانت تشغلها المؤسسة التركية في أرياف حلب والرقة والحسكة، تمهيداً لإعادة تشغيلها تحت الإدارة السورية.

ونقل «راديو البلد» عن محمد العلي، مسؤول التنسيق والترجمة في مركز البريد التركي بمدينة الباب شرقي حلب، أن المؤسسة ستغلق مراكزها في مختلف المناطق السورية قبل نهاية الشهر الجاري، لتنهي بذلك مرحلة من النشاط امتدت منذ عام 2017، وشملت صرف الرواتب والحوالات المالية وإدارة الحسابات والشحن البريدي.

وفي تطور لاحق، أعلنت المؤسسة السورية للبريد، السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر، تسلّم المكاتب البريدية التي كان يشغلها الجانب التركي في مناطق من أرياف حلب والرقة والحسكة، وذلك في إطار التنسيق المشترك بين المؤسستين، بهدف إعادة تفعيل المراكز واستئناف تقديم الخدمات البريدية والمالية للمواطنين.

وأكدت المؤسسة السورية، في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية «سانا»، أن عملية التسليم تمثل خطوة لتعزيز التعاون المؤسسي مع الجانب التركي، مشيرة إلى أهمية تطوير الخدمات البريدية والمالية وتبادل الخبرات وتعزيز التنسيق في مجالات التحويلات المالية الدولية والمساعدات.

مواعيد نهائية لصرف الرواتب وتسوية المستحقات

وبحسب المعلومات التي نشرها «راديو البلد»، بدأت مراكز البريد التركي في عدد من مناطق الشمال السوري اتخاذ إجراءات إغلاق مقارها، مع تحديد مواعيد نهائية لصرف الرواتب والمستحقات المالية وإنجاز المعاملات المتبقية.

ففي مدينة الباب شرقي حلب، حدد مركز البريد التركي الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر موعداً أخيراً لتسليم الرواتب، فيما مُدد العمل في مركز مدينة الراعي حتى الثلاثاء 27 تشرين الأول/أكتوبر، لإتاحة الفرصة أمام المستفيدين لاستكمال معاملاتهم.

وفيما يتعلق بالأموال المتبقية في حسابات المستفيدين، أوضح محمد العلي أن أصحاب الحسابات الذين لم يتمكنوا من سحب أرصدتهم قبل الإغلاق يستطيعون، وفق المعلومات التي قدمها، سحب أموالهم عبر أجهزة الصراف الآلي التابعة للمؤسسة داخل تركيا، باستخدام بطاقاتهم المصرفية وكلمات المرور الخاصة بها.

ومع ذلك، لم تتضح بعد الآليات التي ستُعتمد لتمكين المستفيدين من الوصول إلى أموالهم من داخل سوريا بعد إغلاق المراكز، أو كيفية نقل الحسابات والخدمات المالية إلى الجهات التي ستتولى تشغيل المكاتب مستقبلاً.

تسع سنوات من الخدمات المالية والبريدية

بدأت مؤسسة البريد التركية نشاطها في شمالي سوريا خلال تشرين الأول/أكتوبر 2017، بافتتاح أول مراكزها في مدينة جرابلس بريف حلب الشرقي، قبل أن توسع وجودها تدريجياً إلى عدد من المدن والبلدات.

وشمل انتشار المؤسسة مدن الباب وأعزاز والراعي وعفرين ومارع وبزاعة وقباسين وجنديرس، إضافة إلى تل أبيض في ريف الرقة ورأس العين في ريف الحسكة.

وتزامن هذا التوسع مع تنامي الدور الخدمي والإداري التركي في مناطق شمالي سوريا التي كانت تخضع لسيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة من أنقرة، حيث ساهمت المؤسسة في توفير خدمات مالية وبريدية للسكان والجهات المحلية.

ولم يقتصر نشاط مراكز البريد التركي على إرسال الرسائل والطرود، بل شمل فتح الحسابات وإيداع الأموال وسحبها وإجراء الحوالات المالية، إضافة إلى صرف رواتب فئات من العاملين في قطاعات التعليم والصحة والشرطة والمجالس المحلية، فضلاً عن موظفين في منظمات إنسانية.

كما أدت المؤسسة دوراً في تسهيل التعاملات المالية بالليرة التركية، خصوصاً بعد اتساع استخدامها في مناطق الشمال السوري خلال عام 2020، في ظل التدهور الحاد لقيمة الليرة السورية آنذاك.

وأتاح وجود المراكز وأجهزة الصراف الآلي للسكان والمؤسسات المحلية تنفيذ معاملات مالية وصرف المستحقات، في وقت كانت فيه المنطقة تعاني من محدودية الخدمات المصرفية التقليدية.

مباحثات سورية تركية سبقت قرار الإغلاق

لم تأتِ ترتيبات تسليم مراكز البريد بصورة مفاجئة تماماً، إذ سبقتها مباحثات بين المؤسستين السورية والتركية بشأن مستقبل الخدمات البريدية في مناطق الشمال.

ففي شباط/فبراير 2026، زار وفد من المؤسسة السورية للبريد العاصمة التركية أنقرة، حيث أجرى مباحثات مع مسؤولي مؤسسة PTT تناولت تطوير التعاون في الخدمات البريدية والشحن والتجارة الإلكترونية، إلى جانب تحديث البنية التحتية والأنظمة المستخدمة في القطاع.

كما ناقشت الاجتماعات آليات استلام المكاتب والخدمات التي كانت تديرها المؤسسة التركية في شمالي سوريا، تمهيداً لإعادة تنظيم العمل البريدي ضمن المؤسسات السورية.

ويأتي تسلّم هذه المكاتب في سياق إعادة تنظيم إدارة المؤسسات والمرافق الخدمية في مناطق شمالي سوريا، بما يتيح للمؤسسات السورية توسيع نطاق عملها واستعادة الإشراف على الخدمات التي كانت تقدمها جهات أخرى خلال سنوات النزاع.

ماذا يعني الإغلاق للمستفيدين؟

يثير إنهاء نشاط مؤسسة البريد التركية تساؤلات بشأن مستقبل الخدمات المالية التي اعتمد عليها السكان والمؤسسات المحلية خلال السنوات الماضية، خصوصاً ما يتعلق بصرف الرواتب والحوالات المالية والحسابات والأرصدة المتبقية.

ورغم إعلان المؤسسة السورية للبريد تسلّم المكاتب تمهيداً لإعادة تشغيلها، فإن ذلك لا يعني بالضرورة استئناف جميع الخدمات المالية السابقة بصورة فورية، إذ لا تزال التفاصيل المتعلقة بمواعيد إعادة الافتتاح وآليات تشغيل الحسابات والتحويلات غير معلنة بشكل كامل.

وقد تواجه بعض الفئات صعوبات مؤقتة في الوصول إلى مستحقاتها المالية، ولا سيما المستفيدون الذين لا يستطيعون السفر إلى تركيا لسحب أرصدتهم أو الذين كانوا يعتمدون على مراكز المؤسسة لصرف الرواتب والحوالات.

ويُنتظر أن تتضح خلال المرحلة المقبلة الإجراءات التي ستتخذها المؤسسة السورية للبريد لضمان استمرارية الخدمات، ومدى إمكانية توفير بدائل مالية محلية تتيح للسكان إجراء معاملاتهم دون الحاجة إلى الاعتماد على المراكز التركية.

وبذلك، تطوي مؤسسة البريد التركية صفحة امتدت نحو تسع سنوات من النشاط في شمالي سوريا، فيما تبدأ المؤسسة السورية للبريد مرحلة جديدة من إدارة المكاتب المستلمة وإعادة تشغيل خدماتها.

وتبقى استمرارية صرف الرواتب والحوالات المالية، وضمان وصول أصحاب الحسابات إلى أرصدتهم، من أبرز الملفات التي تحتاج إلى توضيحات وإجراءات تنفيذية خلال الفترة المقبلة، لضمان عدم تأثر المستفيدين بعملية الانتقال بين المؤسستين.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!