
ترك برس
تقع قرية «شيرينجه» (Şirince) بين التلال الخضراء وبساتين الزيتون وأشجار الفاكهة في قضاء سلجوق بولاية إزمير غربي تركيا، حيث تتدرج منازلها البيضاء ذات الطابع المعماري التقليدي على سفوح الجبال، وتتعرج أزقتها الحجرية بين المقاهي والمتاجر الصغيرة والبيوت التاريخية.
وفي هذا المكان الذي يبدو وكأنه يحتفظ بإيقاع حياة مختلف عن صخب المدن، تتجاور آثار الذاكرة اليونانية والتراث الأناضولي مع المذاقات المحلية والضيافة الريفية، لتقدم القرية تجربة سياحية تتجاوز التنزه والتقاط الصور إلى اكتشاف تاريخ اجتماعي وثقافي غني.
وعلى مسافة نحو 8 كيلومترات شرقي مركز سلجوق، اكتسبت شيرينجه شهرة واسعة بوصفها إحدى الوجهات الريفية المميزة في منطقة إيجه، كما نالت عام 2023 اعتراف منظمة الأمم المتحدة للسياحة ضمن قائمة «أفضل القرى السياحية في العالم»، تقديرا لما تتمتع به من تراث ثقافي ومعماري محفوظ، ونمط حياة تقليدي، وجهود في دعم السياحة المستدامة والتنمية المحلية.
تعود جذور قرية شيرينجه إلى تاريخ طويل، وتُعرف في بعض المصادر القديمة باسم «إفسوس الجبل»، في إشارة إلى قربها من مدينة أفسس الأثرية وموقعها الجبلي. وتختلف الروايات بشأن نشأتها؛ إذ تربط إحداها تأسيسها بعهد الإمارات التركية في الأناضول، حين استقر فيها فلاحون حصلوا على حريتهم من أحد الإقطاعيين، فيما ترد روايات أخرى تاريخها إلى فترات أقدم.
وعُرفت القرية قديما باسم «تشيركينجه»، وكانت خلال القرن التاسع عشر مستوطنة يغلب على سكانها الأرثوذكس اليونانيون، وعاش فيها مجتمع حافظ على تقاليده المحلية في ظل الحكم العثماني. وتذكر مديرية قائمقامية سلجوق أن عدد منازلها بلغ نحو 1800 منزل في تلك الفترة، وأن اللغة التركية كانت لغة التخاطب الرسمية فيها.
وشهدت القرية تحولا ديموغرافيا كبيرا عقب حرب الاستقلال التركية وانتهاء الوجود اليوناني في المنطقة عام 1922، إذ غادر معظم سكانها اليونانيين إلى اليونان. ثم استقبلت عائلات تركية قدمت من مناطق يونانية، بينها سالونيك وكافالا، في إطار اتفاقية التبادل السكاني بين تركيا واليونان عام 1923، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها الاجتماعي والثقافي.
وفي السنوات الأولى للجمهورية التركية، تغير اسم القرية من «تشيركينجه»، الذي يعني «القبيحة» باللغة التركية، إلى «شيرينجه»، أي «الجميلة» أو «الرقيقة». وتربط رواية محلية هذا التغيير بزيارة قام بها والي إزمير آنذاك كاظم ديريك، حين استقبله معلم القرية سوآت بك بنشيد محلي من تأليفه، فأُعجب بالمكان ورأى أن اسمه القديم لا يليق بجماله.
منازل تاريخية وأزقة تحتفظ بطابعها التقليدي
تُعد العمارة التقليدية أبرز ما يلفت انتباه زوار شيرينجه؛ إذ لا تزال القرية تحتفظ بنحو 200 منزل يعود إلى الفترة التي كان يسكنها فيها اليونانيون، وفق بيانات قائمقامية سلجوق. وتتميز هذه المنازل بطابعها الحجري والطابقي، وشرفاتها ونوافذها المتعددة، وقد شُيدت بما يتلاءم مع طبيعة الأرض المنحدرة، بحيث تصطف على امتداد السفوح في مشهد متدرج يطل على الحدائق والتلال المحيطة.
ولا تقتصر معالم القرية على المنازل، بل تضم أيضا أفرانا ومقاهي ونوافير مياه، إلى جانب مبانٍ تاريخية تعكس تنوعها الديني والثقافي. ومن أبرزها كنيستا «آيا ياني» و«آيا ديميتري»، اللتان تعودان إلى القرن التاسع عشر، وتشكلان جزءا من الذاكرة المعمارية للقرية.
كما يحتفظ مبنى المدرسة الابتدائية القديمة بموقع مميز يتيح مشاهدة المنازل والحدائق والجبال المحيطة، فيما تحولت بعض البيوت التاريخية، بعد ترميمها، إلى بيوت ضيافة ونُزل وفنادق صغيرة، ما أتاح للزوار الإقامة داخل النسيج المعماري التقليدي بدلا من الاكتفاء بجولة قصيرة في أزقتها.
نكهات إيجه ومنتجات محلية بطابع ريفي
وتشكل المنتجات المحلية والمطبخ التقليدي جانبا أساسيا من تجربة زيارة شيرينجه، إذ تشتهر القرية بمشروبات الفاكهة المخمرة المعروفة باسم «نبيذ الفاكهة»، والتي تُعرض في متاجر متخصصة تنتشر في سوقها الصغير. كما يجد الزوار منتجات ريفية متنوعة، تشمل زيت الزيتون والعسل والدبس والمربيات والصابون المصنوع محليا، إلى جانب المشغولات اليدوية والهدايا التذكارية.
أما المائدة المحلية، فتقدم أطباقا مستوحاة من مطبخي إيجه وكريت، وتعتمد بدرجة كبيرة على الخضراوات والأعشاب الموسمية وزيت الزيتون. ومن الأطباق التي تشتهر بها المنطقة أعشاب الراديكا المطبوخة، وأطباق الأعشاب المقلية أو المطهوة، وحشوات أزهار الكوسا، فضلا عن أصناف أخرى تتغير باختلاف المواسم.
وتحظى بعض المنتجات الزراعية بمكانة خاصة في القرية؛ فالخوخ من أبرز فواكه الصيف، فيما تشتهر المنطقة باليوسفي خلال فصل الشتاء، إلى جانب الزيتون والتين والعنب. ويستطيع الزائر شراء هذه المنتجات من الأكشاك الصغيرة التي يديرها السكان، بما يربط النشاط السياحي مباشرة بالاقتصاد المحلي.
الطبيعة والرياضيات.. وجهات تتجاوز حدود القرية
ولا تنحصر جاذبية شيرينجه في مركزها التاريخي، إذ تحيط بها مساحات خضراء وبساتين زيتون وفاكهة، وتوفر طرقها الجبلية ومواقعها المرتفعة إطلالات على الوادي والتلال. كما يمكن للزوار الجمع بين التجول في القرية وزيارة مواقع قريبة، من بينها «قرية ناسين للرياضيات»، التي تستقبل المهتمين بالرياضيات والتعليم والأنشطة العلمية، فضلا عن منطقة «كايسركايا» الطبيعية.
وتكتسب القرية أهمية إضافية من موقعها ضمن محيط سياحي غني بالمعالم التاريخية والدينية؛ فهي قريبة من مدينة أفسس الأثرية، وبيت مريم العذراء، ومعبد أرتميس، وغيرها من المواقع التي تجعل قضاء سلجوق محطة بارزة للسياحة الثقافية في منطقة إيجه.
وفي عام 2023، اختارت منظمة الأمم المتحدة للسياحة شيرينجه ضمن قائمة «أفضل القرى السياحية في العالم»، وهي مبادرة تكرم القرى التي تحافظ على تراثها الثقافي والطبيعي، وتعمل على جعل السياحة أداة لدعم المجتمعات الريفية وتحسين سبل العيش فيها.
وهكذا، تجمع شيرينجه بين ذاكرة تاريخية تشكلت عبر تعاقب المجتمعات والهجرات، وعمارة تقليدية صمدت أمام تغيرات الزمن، وطبيعة ريفية ومنتجات محلية تمنحها خصوصيتها. وهي بذلك تقدم لزوارها صورة عن جانب من الحياة الأناضولية في منطقة إيجه، حيث لا تزال تفاصيل الماضي حاضرة في البيوت والأزقة والمذاقات اليومية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











