حسين عاكف كوتشوك آل - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

ديفيد كاميرون (2010-2016)، تيريزا ماي (2016-2019)، بوريس جونسون (2019-2022)، ليز تراس (2022)، ريشي سوناك (2022-2024)، كير ستارمر (2024-2026)...

14 عامًا من حكم حزب المحافظين، وعامان من حكم حزب العمال...

عدم استقرار سياسي نتيجة أزمات لا تُحصى، وشعب يتوجه إلى صناديق الاقتراع على أمل التغيير، لكنه يعود إليها مرة أخرى بخيبة أمل...

ومن المرجح ألا تكون الاستقالة الأخيرة في بريطانيا هي الأخيرة في أوروبا. فسقوط ستارمر والأزمة البنيوية التي يعاني منها الغرب ليسا سوى عرضين للمرض ذاته...

كيف خسر ستارمر ناخبيه؟

لنفصل أكثر ما قلناه آنفًا.

فالأحزاب الوسطية في الغرب، منذ فترة طويلة، عاجزة عن تقديم سردية مستقبلية تقنع ناخبيها.

فعلى سبيل المثال، حقق حزب العمال بقيادة ستارمر أغلبية برلمانية كبيرة في يوليو/تموز 2024. إلا أن هذا النجاح لم يكن نابعًا من إعجاب الشعب بالمستقبل أو الرؤية التي طرحها ستارمر. فالناخب البريطاني، كما أشرنا سابقًا، كان قد أنهكه كاميرون وماي وجونسون وتراس وسوناك. وعندما ذهب إلى صناديق الاقتراع لمعاقبة حزب المحافظين، لم يصوت لستارمر لأن حزب العمال قدم رؤية قوية للمستقبل، بل لأنه كان البديل الوحيد.

وكانت توقعات الناخب اليساري بسيطة: تحسين الخدمات العامة، وإنعاش النظام الصحي، والحد من غلاء المعيشة. فمنذ جائحة كورونا، ظل العاملون في القطاع الصحي والمعلمون والعمال ينظمون الاحتجاجات باستمرار ويسيرون نحو مقر رئاسة الوزراء.

أما ناخبو الوسط واليمين، فكانوا يريدون إنهاء أزمة الهجرة.

فماذا فعل ستارمر؟ وعد الناخبين اليساريين بحل مشكلاتهم، وفي الوقت نفسه شدد خطابه تجاه المهاجرين في محاولة لاسترضاء ناخبي اليمين. لكنه لم يلبِّ توقعات اليسار، ولا كسب رضا اليمين. بل إنه، من خلال خطاباته وممارساته، فقد دعم الطرفين معًا.

ثم جاءت فضيحة ماندلسون والهزيمة في الانتخابات الفرعية لتزيد الأمور سوءًا. ومع الموقف المتناقض من غزة، وعدم التراجع عن بريكست، والالتزام الصارم بقواعد الميزانية، تعمقت القطيعة من جميع الجوانب. فعلى الرغم من وصوله إلى السلطة بانتصار انتخابي كبير، فإنه لم يتمكن من معالجة ذلك الشعور العميق بعدم الرضا داخل المجتمع. وفي النهاية، تنحى عن منصبه قائلًا: "هناك حاجة إلى قائد أفضل."

هل الوضع مختلف في أوروبا؟

دعونا الآن نوضح لماذا نقول: "من المرجح ألا تكون هذه آخر استقالة في أوروبا."

لننظر إلى فرنسا. ففي عهد ماكرون، غيّرت فرنسا ستة رؤساء حكومات. فقد تولى إدوار فيليب المنصب بين عامي 2017 و2020، ثم جان كاستيكس بين 2020 و2022، ثم إليزابيث بورن بين 2022 و2024، وبعدها غابرييل أتال وميشيل بارنييه خلال عام 2024، ثم فرانسوا بايرو بين 2024 و2025. أما رئيس الوزراء السابع، فهو سيباستيان ليكورنو الذي تولى المنصب عام 2025.

ويُعد ماكرون من أبرز ممثلي سياسة "قررتُ وانتهى الأمر". فقد فرض رفع سن التقاعد رغم معارضة الشعب، ومن دون عرضه على البرلمان للموافقة عليه. وعندما بدأ المواطنون يقولون: "رئيس الجمهورية لا يصغي إلينا"، ألقى ماكرون بالمسؤولية على رئيسة الوزراء آنذاك، إليزابيث بورن.

ولمحاولة تجاوز حالة الانسداد، خاطر بالدعوة إلى انتخابات مبكرة بهدف الحصول على أغلبية برلمانية. لكن حساباته لم تتطابق مع الواقع. فقد انقسم البرلمان إلى ثلاثة معسكرات: تحالف اليسار، وكتلة ماكرون الوسطية، واليمين المتطرف.

وعقب ذلك، وبسبب هذا البرلمان المنقسم، أصبح أي رئيس وزراء يعينه ماكرون عرضة لسقوط حكومته، إذ كانت الأحزاب الأخرى تتحد لإسقاطها. فقد أُطيح بكل من ميشيل بارنييه، ومن بعده فرانسوا بايرو، عبر تصويت بحجب الثقة، بسبب تخفيضات الميزانية والإجراءات الاقتصادية.

وعند النظر إلى هذه الصورة، هل يمكن القول إن الشعب راضٍ عن ماكرون؟ بالطبع لا. ففي انتخابات 2017 وكذلك انتخابات 2022، بقي في قصر الإليزيه باعتباره "الخيار الأقل سوءًا". وكان منافسه مارين لوبان، في وقت لم تكن فيه أوروبا قد شهدت بعد هذا الصعود الحاد لليمين المتطرف.

وماكرون، شأنه شأن ستارمر، بيروقراطي من النخبة التقليدية. فقد قال: "سأدير الدولة بعقلانية واحترافية." لكن مع ازدياد الضغوط الاقتصادية على المواطنين، ورفع سن التقاعد، أثارت هذه اللغة "التقنية" غضب الشارع. وكما يتضح، فإن بريطانيا، مثل فرنسا، تفتقر إلى رؤية مستقبلية قادرة على حشد الجماهير ولمس قلوب الناس.

هل لألمانيا قائد؟

لنلقِ نظرة أيضًا على ألمانيا.

فبعد استقالة ستارمر، ترددت مزاعم بأن الدور سيأتي على فريدريش ميرتس. فلننظر إلى أسباب ذلك.

تولى ميرتس قيادة حزبه مطلع عام 2025. أما سلفه شولتس، فقال -مثل ستارمر وماكرون-: "سأدير الائتلاف وأحقق التوافق." ففي عام 2021 جمع ثلاثة أحزاب في ائتلاف واحد: الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الخضر، والحزب الديمقراطي الحر. لكنها كانت أحزابًا متناقضة أيديولوجيًا؛ إذ كان الخضر يطالبون بزيادة الإنفاق، بينما تمسك الحزب الديمقراطي الحر، على العكس تمامًا، بقاعدة كبح الديون.

وبدلًا من ردم هذه الهوة، اكتفى بتأجيلها طوال ثلاث سنوات. وبينما كان الائتلاف يهتز تحت وطأة الحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة، والركود الاقتصادي، عجز شولتس عن تقديم حلول. فقد تصرف كوسيط بدلًا من أن يكون قائدًا، في حين أن الشعب كان يريد من يرسم له الطريق، لا من يكتفي بالتوفيق بين الأطراف.

وهكذا جاء ميرتس خلفًا له.

ورغم أنه وصل إلى السلطة تحت شعار: "أنا مختلف، وحازم، وإصلاحي"، فإنه لم يستطع الإفلات من الحلقة المفرغة نفسها.

فالإصلاحات الاقتصادية التي وعد بها لم تُنفذ، ولم يتحقق النمو. كما أن تداعيات الحرب الإيرانية خفضت توقعات النمو إلى النصف، وارتفع التضخم. وتراجعت توقعات مجتمع الأعمال إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات. ووفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة فورسا، انخفضت نسبة الرضا عنه إلى 14%، بينما ارتفعت نسبة غير الراضين إلى 84%. وبدأت داخل حزبه تُطرح أسماء بديلة لتولي القيادة.

ولم يكن قد نجح في احتواء الضغوط الداخلية حتى تعرض لضغوط خارجية. إذ خرج ترامب وانتقد ميرتس بسبب سياساته المتعلقة بالهجرة والطاقة، وأثار مسألة سحب القوات الأمريكية من ألمانيا بحجة أنه لم يحظ بالدعم خلال الحرب الإيرانية.

إن مجرد إثارة هذا النقاش يكشف مدى هشاشة صورة ميرتس. لكن ما قد يأتي بعده في ألمانيا يبدو أيضًا أقرب إلى قيادة اليمين المتطرف. أي أن بقاءه مشكلة، ورحيله مشكلة أخرى بالنسبة للناخب الألماني.

هل ما زلنا سنناقش عضوية الاتحاد الأوروبي؟

في وقت تتعرض فيه سياسات الوسط في أوروبا لكل هذا الاهتزاز، تكتسب قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة معنى مختلفًا تمامًا. فهي ليست قمة يستضيفها أحد القادة الأوروبيين الهشين، بل يستضيفها الشخص الذي يحظى بثقة ترامب.

وقد رأينا كيف تعامل ترامب بازدراء مع أوروبا خلال الحرب الإيرانية. فالولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب وأوروبا تمثلان اليوم قطبين مختلفين. وسواء وصف الأمين العام للناتو، روته، ترامب بـ"الأب" أو بـ"الأخ الأكبر"، فإن ذلك لا يغيّر هذه الحقيقة. ولا شك أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحمل في طياتها القدرة على إعادة تشكيل حلف الناتو أيضًا.

ولنختتم بسؤال واحد:

هل ينبغي أن يظل السؤال الذي يشغلنا في هذه البلاد هو: "متى ستنضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟"

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!