
تورغاي يرلي كايا - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
إعادة بناء الثقة، وإدارة التحول، وإنتاج نتائج (منافع) للجميع، هي المحاور الرئيسية التي تتصدر أجندة الأمم المتحدة هذا العام. لكن لماذا جرى تسليط الضوء على موضوعي ترسيخ الثقة وإنتاج نتائج للجميع، وكيف نشأت مثل هذه التوقعات؟ بعبارة أخرى، لماذا وبأي دوافع يعجز النظام الدولي والمؤسسات القائمة عن إنتاج نتائج ذات مغزى للجميع؟ وما الأسباب التي أدت، منذ فترة طويلة، إلى فتح وظائف المؤسسات الدولية ومكانتها على النقاش، والتسبب في أزمة تتعلق بالثقة؟
إن موضوع وظيفة المؤسسات الدولية، الذي أصبح محل نقاش أوسع مع وصول ترامب إلى السلطة، انتقل إلى مسار جديد بفعل السياسات التنقيحية. وقد تجسد هذا النهج، الذي يقوم على القوة المجردة وانتهاك القواعد، في شخص ترامب، فيما جرى إلى حد كبير تهميش المؤسسات الدولية. وهذا الموضوع الذي جرى اختباره على نطاق واسع عبر غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، أصبح في الآونة الأخيرة موضع نقاش أوسع بكثير مع قضايا مثل فنزويلا وغرينلاند، وتراكمت مؤلفات ودراسات كثيرة حول وظيفة النظام القائم وقدرته على العمل. كما يتضح أن هذا التراكم فتح الباب أمام مقترحات إصلاح داخل الأمم المتحدة، وقدم وصفات لتحول المؤسسات الدولية. وبغض النظر عن مدى استجابة الواقع العملي لهذه المقترحات، فإن مضمونها وطبيعتها يكشفان في الواقع عن الأزمة التي نعيشها.
وعند النظر إلى تأسيس الأمم المتحدة (UN) وهياكلها الأساسية، يتضح الوضع القائم بصورة أكثر جلاءً. فقد تأسست الأمم المتحدة عقب عجز عصبة الأمم، التي أنشئت بهدف إحلال السلام بعد الحرب العالمية الأولى، عن منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكانت تتوخى نظامًا تحظى فيه القوى الكبرى بامتيازات أكبر. وكان هذا الأمر واردًا أيضًا في مسودات العمل التي أُعدت بقيادة الولايات المتحدة، إذ كانت ترى أن أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى يتمثل في عدم منح القوى الكبرى امتيازات. وقد تحول مجلس الأمن، الذي يمثل الهيئة التي عملت على مأسسة هذا التوافق القائم على القوة بين القوى الكبرى، لاحقًا إلى هيكل أصيب بالجمود بسبب امتيازات تلك القوى. كما أن الأمم المتحدة، التي جرى تأسيسها بهدف إرساء السلام والأمن الدوليين، تسببت في مرحلتها الأولى، بإبعاد الدول الصغيرة عن آليات صنع القرار، في مشكلات خطيرة من حيث المساواة والعدالة في التمثيل.
من رواندا إلى فلسطين
تأتي فلسطين في مقدمة القضايا التي عجز مجلس الأمن عن حلها أو امتنع عن حلها. وقد أظهر هذا الوضع، الذي أصبح أكثر وضوحًا بكثير بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، أن فرض قيود على إسرائيل عبر الأمم المتحدة ليس أمرًا ممكنًا إلى حد كبير. ويشكل عدم تنفيذ القرارات المتعلقة بالضفة الغربية، وفي مقدمتها قرارات وقف إطلاق النار، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لصالح إسرائيل في كل مرة تقريبًا، المثال الأكثر وضوحًا على الأزمة النظامية. ومن الأمثلة الأخرى الحرب الروسية الأوكرانية. فمن الواضح جدًا أن هذه الحرب، المستمرة منذ فبراير/شباط 2022، والتي تمتد آثارها على نطاق عالمي، قد وصلت إلى طريق مسدود بسبب نفوذ روسيا داخل مجلس الأمن.
وثمة مثال آخر يتعلق بتركيا بصورة وثيقة، وهو سوريا. فقد بدأ التصعيد عام 2011، ثم حل محله مع مرور الوقت حرب أهلية، شهدت مقتل مئات الآلاف من الأشخاص واستخدام الأسلحة الكيميائية. ودخلت سوريا، التي أصبحت أيضًا على أجندة أوروبا عبر ملف الهجرة، في إطار الأمم المتحدة دون التوصل إلى أي حل. وتُظهر هذه الأزمة النظامية، التي يمكن تعزيزها بأمثلة مثل سربرنيتسا ورواندا، بوضوح شديد أنه لا ينبغي للنظام القائم أن يستمر. لكن على الرغم من أن موضوع الإصلاح، الذي ظل مطروحًا على جدول الأعمال منذ فترة طويلة، أتاح بيئة نقاش غنية بمقترحات مختلفة، فإن هناك مقاومة كبيرة من جانب الجهات الفاعلة التي شيدت النظام، عندما يتعلق الأمر بتنفيذ هذه المقترحات.
وتحتل موضوعات مثل العدالة في التمثيل، أي زيادة عدد الأعضاء وإلغاء حق النقض (الفيتو)، مكانة بارزة في نقاشات الإصلاح. وقد جرى طرح شعار «العالم أكبر من خمسة»، الذي تحول أيضًا إلى مقترح لدى الرئيس رجب طيب أردوغان، وصيغ في إطار المطالبة بإلغاء حق النقض، في الأمم المتحدة منذ عام 2014. ويجري تعزيز هذا الإطار، الذي جرى تفصيله من أجل إصلاح أكثر شمولًا، بمطالب مماثلة. لكن على الرغم من جميع الانتقادات ومقترحات الإصلاح، يتضح أن النظام يبدي مقاومة كبيرة للتغيير، وأن الجهات المؤسسة ترغب في مواصلة الوضع الراهن. فالجهات المؤسسة، التي تستغل في كل مرة تقريبًا الامتيازات التي منحتها لنفسها بهدف بناء السلام، هي في الواقع أبرز الجهات الفاعلة في زعزعة الثقة بالنظام والمؤسسات الدولية. ويفتح هذا المشهد، الذي فصّله علي بالجي في كتابه المعنون «مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: مدخل نقدي»، الباب أمام نقاش مهم بشأن وظيفة الأمم المتحدة والثقة بالمؤسسات. وقد تحول هذا النظام، الذي أصابه الجمود إلى حد كبير، بدلًا من إرساء السلام، إلى ما وصفه بالجي بأنه «مختبر لفهم أوجه عدم المساواة المؤسسية في السياسة الدولية».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











