
ترك برس
يرى الكاتب التركي محمد علي بال أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة بين تركيا وباكستان والسعودية، تضع الدول الأطراف أمام معادلة معقدة تجمع بين الالتزام بالتعهدات الدولية، وحق التدخل لحماية الحلفاء، والتحديات السياسية والعسكرية التي تفرضها التوازنات الإقليمية والدولية.
وفي تحليل نشره موقع «خبر 7»، يناقش بال الإطار القانوني والسياسي لمفهومي «حق الحماية» و«حق التدخل»، قبل أن ينتقل إلى بحث انعكاسات التطورات الأخيرة في المنطقة، ولا سيما الهجمات التي استهدفت السعودية، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر وباب المندب، وموقف تركيا من التزاماتها بموجب اتفاقية مكة.
ويحذر الكاتب من أن تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع لن يكون مسألة قانونية مجردة، بل سيخضع لحسابات القوة والشرعية والقدرات العسكرية، فضلًا عن ردود فعل القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها إيران والولايات المتحدة والصين وروسيا.
مفاهيم الحماية والتدخل في القانون الدولي
يستهل بال تحليله بتوضيح المقصود بحق الحماية، مشيرًا إلى أنه يعني صلاحية الدول في ممارسة سلطاتها الحمائية ضمن إطار سيادتها. ويستحضر في هذا السياق مفهوم «Jus protectionis» في القانون الروماني، الذي يشير إلى حق الحماية.
ويوضح أن هذا الحق يتخذ أشكالًا متعددة، من بينها الحماية الدبلوماسية التي يمكن أن تمارسها دولة ما عندما يتعرض مواطنوها المقيمون في أراضي دولة أخرى للظلم أو لانتهاكات ممنهجة لحقوقهم الأساسية.
كما يذكر الكاتب مفهوم «Jus avocandi»، أي حق الاستدعاء، الذي يشير إلى صلاحية الدولة في استدعاء مواطنيها الموجودين في أراضي دولة أخرى لأسباب تتعلق بالخدمة العسكرية أو النظام العام.
غير أن المفهوم الأساسي الذي يركز عليه بال هو «Jus interventionis»، أي حق أو صلاحية التدخل في أراضي دولة أخرى بهدف منع الأزمات الإنسانية أو الاستبداد، أو حماية الدول الحليفة.
ويشير كذلك إلى مفهوم «Jus defendendi»، الذي يعبر عن حق الدول في الدفاع عن نفسها، موضحًا أنه لا يقدم هذه المفاهيم باعتبارها قواعد ملزمة تحظى بقبول مطلق، وإنما بوصفها مفاهيم قانونية وتاريخية ارتبطت بأفعال التدخل والدفاع التي شهدها العالم عبر مراحل مختلفة.
القوة قبل القانون في النظام الدولي
يحذر بال من فهم هذه المفاهيم على أساس أن النظام الدولي يضمن التزام جميع الدول بالقواعد نفسها، وأن التدخل لا يحدث إلا ضد الدول التي تنتهك القانون.
ويرى أن التجارب التاريخية والواقع الراهن يظهران عكس ذلك، إذ إن النظام الدولي لا يقوم، بحسب تحليله، على توازن قانوني محض مصدره «القضاء الدولي»، بل تحضر القوة أولًا، ثم تأتي الخطابات السياسية والقانونية وغيرها من الإجراءات لتبريرها أو تنظيمها.
ويؤكد أن هدفه من المقال هو تحليل العلاقة بين الإطار القانوني الدولي ومركز القوة، مع إبراز الكيفية التي تفرض بها القوة وحدها أحيانًا قواعدها القانونية، ودراسة النتائج المترتبة على ذلك، خصوصًا في ضوء اتفاقية مكة للدفاع المشترك والتطورات الجديدة في المنطقة.
اتفاقية مكة وحق التدخل
يشير الكاتب إلى أن مبدأ «الوفاء بالعهد» أو «Pacta sunt servanda» يمثل أحد المبادئ الأساسية المرتبطة باتفاقية مكة، ويعني ضرورة التزام الدول بالاتفاقيات التي توقعها واحترام أحكامها.
ويرى أن حق التدخل، سواء استند إلى إطار قانوني واضح أم لا، يرتبط في نهاية المطاف بموازين القوى والتحالفات والصراعات. فقيام دولة قوية بالتدخل في نزاع داخل أراضي دولة أخرى يمكن أن يؤدي إلى نشوء توازنات جديدة، وإلى ترتيبات قانونية واقتصادية مختلفة.
وبحسب بال، فإن الجمع بين مبدأ حق التدخل ومبدأ الوفاء بالتعهدات قد ينتج عنه تدخل متعدد الأبعاد، تكون له آثار سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز الحدث الذي أدى إليه.
الاتفاقية في ضوء التطورات الإقليمية
يذكر الكاتب أن تركيا وباكستان والسعودية وقعت في 7 أغسطس/آب 2026 «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، موضحًا أن اسم الاتفاقية يعكس هدفها الأساسي المتمثل في الدفاع المشترك.
وبموجب الاتفاقية، تعهدت الدول الأطراف باعتبار أي عمل عدواني يستهدف إحداها بمثابة عمل يستهدف جميع الأطراف.
ويرى بال أن استمرار التوتر بين السعودية وإيران، والقصف المتبادل بينهما، والتنافس القائم منذ فترة طويلة، إلى جانب الهجمات الحوثية على السعودية، يجعل الهدف الدفاعي للاتفاقية أكثر وضوحًا، كما قد يعطي انطباعًا بأنها تستهدف تشكيل تكتل من الدول في مواجهة قوى أخرى.
ويشير في الوقت نفسه إلى وجود تساؤل بشأن القوة المحركة للاتفاقية، متسائلًا عن الجهة أو المركز الذي يقف وراء تشكيلها، وما إذا كانت دوافعها تنبع من احتياجات إقليمية مستقلة أم من حسابات قوى دولية.
إشكالية الشرعية في أي تدخل عسكري
يرى الكاتب أن تطبيق حق التدخل يتطلب تحديد الجهة التي ستقرر وجود استبداد أو أزمة إنسانية أو خطر جدي يهدد دولة حليفة.
ويتساءل: من سيحدد طبيعة الأزمة ومستوى الخطر؟ وماذا سيحدث إذا كانت الدول أو المجتمعات الموجودة في المنطقة المستهدفة بالتدخل تملك تفسيرًا مختلفًا للأحداث؟
ويؤكد بال أن الخلاف حول تفسير الوقائع قد يؤدي إلى نشوب الحرب، كما سيجعل إقناع الرأي العام المحلي والدولي بشرعية التدخل تحديًا أساسيًا، لأن الشرعية تمثل العنصر الأهم في أي عملية حماية أو تدخل.
ويضرب الكاتب مثالًا على ذلك بالتطورات الإقليمية، مشيرًا إلى أن الهجمات التي تعرضت لها السعودية تمثل تهديدًا لسيادتها ووحدة أراضيها، لكن الغارات الجوية السعودية على اليمن تُعتبر، من جانب بعض الأوساط، انتهاكًا أيضًا.
كما يرى أن تحليل الحرب بين إيران والقوى التابعة لها من جهة، والقوات الأمريكية وبعض القوات الحليفة لها من جهة أخرى، في مضيق هرمز وباب المندب، ضمن سياقها الشامل، قد يقود إلى اعتبار إسرائيل والولايات المتحدة الطرف الذي بدأ الهجمات.
لكنه يوضح أن النظر إلى انتشار الحرب في الشرق الأوسط والخليج والممرات البحرية الحيوية، والهجمات التي طالت الدول الساحلية، باعتبارها مرحلة منفصلة، قد يجعل إيران تبدو الطرف المعتدي.
وبناءً على ذلك، يخلص الكاتب إلى أن بناء الشرعية في قضية متعددة الأبعاد كهذه سيكون أمرًا صعبًا، لكنه يضيف أن الطرف الذي يمتلك القوة قد يتمكن من فرض تفسيره للشرعية.
مخاطر إثارة القومية العربية
يحذر بال من أن إظهار تركيا قوتها العسكرية في المنطقة، حتى في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، قد يؤدي إلى إثارة القومية العربية المناهضة لتركيا، ليس في المنطقة فحسب، بل داخل السعودية نفسها أيضًا.
ويؤكد ضرورة التعامل بجدية مع مسألة الشرعية عند بحث أي تدخل عسكري في الجغرافيا العربية، مشيرًا إلى أن المنطقة ظلت، قبل أكثر من قرن، متأثرة بتصاعد القومية العربية، وأن آثار ذلك التوتر لا تزال مستمرة بصورة أو بأخرى.
ويرى الكاتب أن تصورات بعض النخب العربية تجاه تركيا اليوم تختلف عن تصورات شخصيات تاريخية مثل ساطع الحصري والأمير شكيب أرسلان، معتبرًا أن العلاقات الحالية تحتاج إلى أرضية شرعية أكثر قوة، لا سيما في ظل استمرار التأثيرات المرتبطة بانهيار النظام العثماني وما أعقبه.
ويضيف أن التأثيرات السلبية للقومية العربية تجاه ما يُنظر إليه باعتباره توسعًا سياسيًا تركيًا تتزامن مع عامل آخر يتمثل في النفوذ الإيراني، الذي يعتمد على تشكيل قوى محلية واستخدامها في مواجهة خصومه.
وبحسب بال، فإن هذه التطورات تجعل ممارسة تركيا لحق التدخل والحماية أكثر صعوبة، خصوصًا أن إيران توجه اتهامات وتهديدات إلى أنقرة، بصورة مباشرة أو عبر وكلائها المحليين.
الهجمات على السعودية وموقف تركيا
يتوقف الكاتب عند الأحداث التي وقعت في 16 سبتمبر/أيلول 2026، عندما نفذ الحوثيون هجمات بطائرات مسيرة قالوا إنها جاءت ردًا على الغارات الجوية السعودية في اليمن.
ووفق ما يورده بال، أعلنت السلطات السعودية أن مناطق في مكة تعرضت للقصف بطائرات مسيرة خلال الهجمات، كما قال المتحدث باسم التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، تركي المالكي، إنه جرى اعتراض وتدمير طائرة مسيرة حوثية جنوب مكة.
وأعلنت السلطات السعودية كذلك مقتل شخص خلال الهجمات، فيما وصف المالكي استهداف مكة بأنه «عمل مخز». كما أعلن منظمة التعاون الإسلامي رفضها الهجمات التي تستهدف مكة والمدينة، بينما أدانت تركيا، عبر وزارة الخارجية، الهجمات التي استهدفت مكة، وجددت دعمها لسيادة السعودية ووحدة أراضيها وأمنها.
في المقابل، نفى الحوثيون استهداف مكة، ورفضوا الرواية السعودية، مؤكدين أنهم استهدفوا منشأة نفطية تابعة لشركة أرامكو وقاعدة جوية داخل السعودية.
ويشير الكاتب إلى أن تصريحات وزارة الدفاع التركية بشأن الهجمات أثارت ردًا حادًا من الحوثيين، بعد أن قال المتحدث باسم الوزارة، الأدميرال البحري زكي أكتورك، في إحاطة أسبوعية يوم 17 سبتمبر/أيلول، إن تركيا تدين الهجمات التي نفذها الحوثيون ضد السعودية، وتعتبر أن استمرار التهديد الحوثي في البحر الأحمر وباب المندب لا يضر بأمن المنطقة فحسب، بل يؤثر أيضًا في التجارة البحرية الدولية والاستقرار العالمي.
تهديدات حوثية لتركيا
ينقل بال تصريحات أدلى بها مستشار وزارة الدفاع التابعة للحوثيين، العميد عابد الطور، لقناة «العربي»، انتقد فيها بشدة موقف وزارة الدفاع التركية.
وبحسب النص الذي يستشهد به الكاتب، قال المسؤول الحوثي إن تصريحات تركيا لا قيمة لها إذا كانت تصدر بناءً على توجيهات سعودية، معتبرًا أن المهم هو مواقف الدول المطلة على المنطقة، مثل جيبوتي والصومال.
كما وجه تهديدًا إلى تركيا، قائلًا إن أنقرة إذا كانت تقصد دخول الحرب للدفاع عن السعودية، فإن الحوثيين مستعدون لذلك، مضيفًا أن تركيا ستتحمل الخسارة إذا دخلت مواجهة مباشرة معهم.
ويرى بال أن هذه التصريحات تتجاوز الأعراف الدبلوماسية، وتكشف عن صعوبة التعامل مع أطراف محلية مسلحة تمتلك حساباتها الخاصة، وترتبط في الوقت ذاته بصراعات إقليمية أوسع.
رسائل هاكان فيدان بشأن التحالف
يتناول الكاتب تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي أدلى بها لقناة «إن تي في» في 20 سبتمبر/أيلول 2026، بشأن موقف أنقرة من التطورات.
ويشير فيدان، وفق ما ينقله بال، إلى أن السعودية تعرضت لهجمات خطيرة استهدفت وحدة أراضيها وسيادتها وبنيتها التحتية، مؤكدًا أن الدول الموقعة على اتفاقية مكة تتحمل مسؤولية التحالف والدعم المتبادل.
كما شدد الوزير على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «قائد يفي بوعوده»، وأن تركيا ملتزمة بالموضوع الذي وقعت عليه رسميًا، مضيفًا أن بلاده تجري تقييمات بشأن الوضع القائم.
وفيما يتعلق بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، قال فيدان إن تحويل السعودية إلى جزء من هذا الصراع أمر غير مقبول، مؤكدًا ضرورة إبقائها خارج هذه المعادلة، لأنها لا تسعى إلى الانخراط فيها، بحسب ما أورده الكاتب.
وأضاف أن دول تحالف مكة تتابع التطورات عن كثب، وأن هناك لقاءات ومباحثات لا تظهر للرأي العام، مشيرًا إلى احتمال وجود احتياجات عسكرية، ولا سيما احتياجات تقنية، يمكن لتركيا المساهمة في تلبيتها.
كما أعلن فيدان أن العمل على مأسسة تحالف مكة مستمر، وأن الاستعدادات لإنشاء الأمانة العامة ومقر القيادة العسكرية شارفت على الانتهاء، ولم يتبق سوى إرسال الأفراد وبدء تشغيل المقر.
وأكد أن التحالف مفتوح أمام انضمام دول أخرى في المنطقة، موضحًا أن الهدف يتمثل في جمع أكبر عدد ممكن من الدول ضمن إطار للدفاع المشترك، وليس إنشاء حالة استقطاب أو معسكر جديد.
واعتبر فيدان أن وصف الاتفاقية بأنها ستبقى حبرًا على ورق يمثل محاولة لإنهاء المشروع قبل أن يبدأ، مؤكدًا أن تحالف مكة سيكون، وفق تعبيره، منصة قادرة على تغيير قواعد اللعبة.
وأشار كذلك إلى أن تداعيات الأزمة الأمريكية الإيرانية، التي أسهمت في تفجير أزمة باب المندب، تجاوزت الحدود التي يمكن تحملها، خصوصًا مع تزايد انعكاساتها الاقتصادية.
بين الوفاء بالتعهدات والقدرة على التدخل
يرى بال أن تصريحات المسؤولين الأتراك تكشف عن ثلاثة مستويات مختلفة لموقف أنقرة.
فوزير الخارجية يتحدث عن إمكانية تقديم مساعدات تقنية للسعودية، بينما يصف المتحدث باسم وزارة الدفاع الهجمات الحوثية بأنها تهديد لأمن المنطقة والتجارة البحرية الدولية والاستقرار العالمي. أما بيان وزارة الخارجية التركية، فيضع الهجمات ضمن إطار التضامن مع السعودية ومنظمة التعاون الإسلامي.
لكن الكاتب يعتبر أن السؤال الأهم لا يتعلق بالإطار القانوني والسياسي فقط، بل بكيفية ترجمة المواقف إلى خطوات عملية، وخاصة مستوى المشاركة العسكرية التركية المحتمل في أزمة باب المندب والدفاع عن السعودية.
ويرى أن خيار استخدام القوة العسكرية يستحق البحث، لأن الخيارات الأخرى، بحسب تقديره، استُنفدت إلى حد كبير، في حين تستمر الحرب بصورة مدمرة.
ويطرح بال احتمالين رئيسيين أمام تركيا إذا تعرضت السعودية لهجمات أكثر خطورة وطلبت إرسال قوات عسكرية.
سيناريو التدخل العسكري وتحدياته
يعتقد الكاتب أن موافقة تركيا على طلب سعودي بإرسال قوات لن تكون مسألة بسيطة، لأن إرسال وحدات صغيرة قد لا يكون كافيًا في ظل استمرار الحرب بين الحوثيين والسعودية وحلفائها منذ سنوات.
ويشير إلى أن السعودية وحلفاءها لم يتمكنوا من تحقيق نتيجة حاسمة في الحرب، بسبب طبيعة الجغرافيا اليمنية الملائمة للدفاع، والقدرات القتالية للحوثيين، والدعم الإيراني.
ويضيف أن الدعم الذي يصل عبر إيران بات يتضمن تقنيات صينية وروسية، بما في ذلك أنظمة الأسلحة وتحديد المواقع، وهي تقنيات يمكن أن تؤدي دورًا حاسمًا في الدفاع، حتى إن لم تكن مستخدمة في عمليات هجومية مباشرة.
ويرى الكاتب أن الدخول العسكري إلى المنطقة سيضع القوات التركية أمام أنظمة تسليح متعددة المصادر، تشمل معدات صينية وروسية وأسلحة منتجة في دول أخرى أو متاحة عبر السوق السوداء.
ويؤكد بال أن تطور الصناعات الدفاعية التركية في بعض المجالات لا يعني، حتى الآن، امتلاك القدرة على تغيير نتيجة حرب واسعة. ويستدل على ذلك بأن النجاح في تغيير مسار حرب كبرى كان سيؤدي، بحسب رأيه، إلى زيادة كبيرة في الطلب على الأنظمة الدفاعية التركية وظهور نجاحاتها بوضوح خلال أزمة مضيق هرمز الأخيرة.
كما يرى أن الحرب المحتملة ستجري في مواجهة منظومات إيرانية تتأثر بالتكنولوجيا الصينية والروسية، في حين تعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها على منصات وأنظمة أسلحة من إنتاجهم.
ويخلص الكاتب إلى أن دخول تركيا الحرب الإقليمية سيكون، على الأرجح، خيارًا أخيرًا، ولا سيما في حال تعرضها لهجوم مباشر، معتبرًا أن الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة، وقدرات الصناعات الدفاعية، والاستعدادات للتعبئة، ومستوى تكامل المؤسسات الأمنية، لا تجعل البلاد في وضع ملائم لخوض حرب واسعة وممتدة.
ويرى أن حديث فيدان عن تلبية «احتياجات تقنية» سعودية قد يكون إشارة إلى المستوى الذي ستطبّق فيه تركيا حق التدخل ومبدأ الوفاء بالتعهدات.
ويشير في هذا السياق إلى تداول أنباء غير مؤكدة عن توجه طائرات شحن عسكرية تركية إلى السعودية، معتبرًا أن ذلك، حتى إن لم يكن كافيًا، قد يمثل مؤشرًا على انخراط تركيا في الأزمة، ويستدعي الاستعداد لردود فعل مقابلة.
سيناريو عدم التدخل وتراجع المصداقية
في المقابل، يناقش بال احتمال أن تمتنع تركيا عن تنفيذ التزاماتها بموجب اتفاقية مكة، وأن تلتزم الصمت في حال تعرض السعودية لهجوم، دون اتخاذ مبادرة عملية.
ويرى أن هذا الخيار قد يؤدي إلى إلحاق ضرر كبير بالمصداقية الإقليمية والدولية لتركيا، الأمر الذي قد يدفع دولًا أخرى إلى التردد في الانضمام إلى التحالفات التي تتمحور حول أنقرة، أو في التقارب معها بهدف الحصول على الحماية.
ويضيف أن تراجع الثقة قد ينعكس أيضًا على العلاقات التجارية والاجتماعية، في وقت تواجه فيه تركيا أصلًا مشكلات مرتبطة بإغلاق مراكز إنتاج ومصانع.
وبحسب الكاتب، فإن هذه المخاطر تفسر حاجة وزير الخارجية التركي إلى التأكيد على حساسية الرئيس أردوغان تجاه مبدأ الوفاء بالتعهدات.
ويؤكد بال أن كلا الخيارين، التدخل العسكري أو الامتناع عنه، ينطوي على صعوبات بالنسبة إلى تركيا، موضحًا أن الانخراط في حرب كبيرة وطويلة قد يتجاوز قدرات البلاد في ظروفها الحالية، بينما يؤدي تجاهل الاتفاقية إلى إضعاف مصداقيتها.
كما يحذر من أن انتصار إيران الكامل أو هزيمتها الكاملة قد يضعف موقع تركيا بوصفها قوة إقليمية، وإن اختلفت النتائج المترتبة على كل سيناريو.
صعوبات تنفيذ اتفاقية مكة
يرى الكاتب أن بعض عناصر اتفاقية مكة قد تجعلها تُفهم باعتبارها أداة لمواجهة قوى معينة في المنطقة، رغم الإعلان عن هدفها المتمثل في جمع أكبر عدد ممكن من الدول.
ويستند في ذلك إلى أن السعودية كانت، عند توقيع الاتفاقية، من بين الأهداف الفعلية للضغوط الإيرانية، فضلًا عن اختيار اسم «الدفاع المشترك»، والنص الذي يعتبر الهجوم على طرف هجومًا على جميع الأطراف.
ويؤكد أن من الضروري توقع ردود فعل الدول أو القوى التي قد تعتبر الاتفاقية موجهة ضدها، والتفكير مسبقًا في طبيعة المشهد الذي قد ينشأ في حال تحول الدفاع المشترك إلى مشاركة جماعية في الحرب.
ويطرح الكاتب عددًا من الأسئلة حول مستوى الثقة المتبادلة بين أطراف الاتفاقية، وقدرة السعودية العسكرية، ومدى استعداد الدول الأخرى لتقديم الدعم الفعلي.
كما يتساءل عن تأثير العلاقات الصينية الباكستانية في أي حرب محتملة، مشيرًا إلى أن الجيش الباكستاني استخدم منتجات دفاعية صينية خلال الحرب الأخيرة مع الهند، وأن الصين تقف حاليًا في موقع داعم لإيران، وترى أن ضرب الولايات المتحدة لإيران يمثل، بصورة غير مباشرة، استهدافًا لمصالحها.
ويعتبر بال أن دمج الجيش الباكستاني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الحرب الإلكترونية وأنظمة الأسلحة عالية التقنية القادمة من الصين، مع القوات التركية والسعودية، قد يكون سهلًا من الناحية الأخوية والسياسية، لكنه صعب من الناحيتين التقنية والتحالفية.
تساؤلات حول الأنظمة العسكرية السعودية
يتوقف الكاتب كذلك عند طبيعة منظومات الأسلحة السعودية، التي يقول إن معظمها أمريكي الصنع، متسائلًا عن مدى توافر الكوادر المتخصصة القادرة على استخدامها بكفاءة.
كما يطرح تساؤلات بشأن النفوذ الإسرائيلي على برمجيات بعض هذه الأنظمة، وما إذا كان ذلك يمكن أن يمثل مصدر قلق في حال تحولت الاتفاقية إلى إطار لمواجهة إقليمية واسعة.
ويرى بال أن ارتباط الاتفاقية بتداعيات الحرب الإيرانية، والضغوط الأمريكية التي قد تدفع بعض الدول إلى الاصطفاف في المعسكر نفسه مع إسرائيل، يستحق دراسة منفصلة ودقيقة.
الحاجة إلى معرفة أعمق بالمنطقة
يكرر الكاتب في ختام تحليله فكرة سبق أن طرحها، ومفادها أن تركيا قريبة جغرافيًا من الشرق الأوسط، لكنها بعيدة عنه ذهنيًا.
ويعرب عن شكوكه في مدى معرفة المؤسسات الحكومية التركية وموظفيها بالتفاصيل الخاصة بدول مثل اليمن، وبتركيبتها الاجتماعية والبشرية والسياسية.
ويشير إلى أن تركيا تواجه، بحسب رأيه، صعوبات حتى في التعامل مع القضايا اللغوية الأساسية في سوريا، وهي دولة مجاورة لتركيا، فضلًا عن أن أجزاء من تاريخها ومجالها السياسي ارتبطت بالإمبراطورية العثمانية.
ويؤكد ضرورة معالجة أوجه القصور هذه، مع عدم إغفال عودة روسيا إلى المنطقة، والعلاقات التجارية والعسكرية النشطة التي تربط الصين بدول الشرق الأوسط.
ويستشهد بإجراء مصر والصين مناورات مشتركة للقوات الجوية، معتبرًا أن مثل هذا التعاون كان سيُنظر إليه بوصفه سببًا محتملًا لأزمة سياسية في مصر خلال فترات الهيمنة الأمريكية المطلقة، بينما يشير اليوم إلى اقتراب المنطقة، بحسب تقديره، من حالة توازن دولي أكبر.
خاتمة: بين الالتزام والحذر
يخلص محمد علي بال إلى أن مبدأ الوفاء بالتعهدات، وكذلك حق الحماية والتدخل، يواجهان شروطًا بالغة الصعوبة عند تطبيقهما على الساحة الدولية.
ويحذر من أن التحرك دون استعداد كافٍ، أو الانجرار إلى صراع بين قوى كبرى، قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، خصوصًا إذا وجدت تركيا نفسها متأثرة بالتداعيات غير المباشرة لحرب تخوضها أطراف أخرى.
ويعرب الكاتب عن أمله في ألا تتكرر، في عالم اليوم، الصدمات التاريخية التي شهدتها المنطقة، مستحضرًا معركتي جالديران وأوتلقبلي، اللتين وقعتا في عامي 1514 و1473، وما ترتب عليهما من نتائج ثقيلة.
ويرى أن قراءة التطورات الراهنة من هذه الزاوية تستدعي التحوط والحذر، مؤكدًا أن أي قرار يتعلق بالتدخل العسكري أو الوفاء بالتزامات التحالف يجب أن يراعي توازنات القوة، والقدرات الواقعية، والنتائج المحتملة على المدى البعيد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











