ترك برس

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وتصاعد النقاشات بشأن مستقبل المؤسسات الدولية ودورها في معالجة الأزمات العالمية، يطرح الكاتب التركي ندرت إرسانيل تساؤلات حول الجهة التي تخاطبها الدول خلال المرحلة الراهنة، منتقدًا حالة الانقسام التي يعيشها الغرب، وعجز النظام الدولي القائم عن تقديم حلول لأزمات العالم.

وفي مقال نشرته صحيفة «يني شفق» التركية، يرى إرسانيل أن الانتقال إلى نظام عالمي جديد يفتح المجال أمام فرص تخدم مصالح تركيا، مشددًا على أهمية إصلاح الأمم المتحدة، وتحويل التعددية القطبية إلى إطار أكثر عدلًا ومساواة، بدلًا من أن تقتصر على إعادة توزيع القوة بين الدول الكبرى.

الغرب المنقسم وأزمة النظام القائم

يستهل إرسانيل مقاله باستحضار قراءة تعود إلى عام 1946، قدمها الكاتب البريطاني ستيفن سبندر بشأن مستقبل أوروبا، مشيرًا إلى أن المثقفين والسياسيين الأوروبيين كانوا منقسمين سياسيًا، وأن الحديث عن الغرب باعتباره كيانًا موحدًا لا يعكس حقيقة الواقع.

وينقل الكاتب عن سبندر قوله: «في مؤتمر جنيف عام 1946، برز أمران. أولًا، إن المثقفين الأوروبيين اليوم منقسمون سياسيًا بقدر انقسام السياسيين أنفسهم. والنقطة الأخرى هي أننا نتحدث عن الشرق والغرب؛ وإذا كنا نقصد بذلك أن الغرب يحمل أي شكل من أشكال الوحدة، فإننا نخدع أنفسنا. فالغرب، في الواقع، يتكون من المناطق الألمانية الواقعة تحت الاحتلال الأمريكي والبريطاني والفرنسي، وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا العظمى ودول الأراضي المنخفضة وإسكندنافيا وجزء من البلقان وغيرها».

ويتابع سبندر، وفق الاقتباس الذي أورده إرسانيل: «أين الوحدة في الغرب؟ لا توجد أي وحدة على الإطلاق».

ويرى الكاتب أن هذه القراءة، التي تعود إلى نحو 80 عامًا بشأن «المجتمع الأطلسي» بعد الحرب العالمية الثانية، تتطابق مع المرض الذي أصاب النظام الدولي خلال المرحلة الحالية من الانتقال إلى نظام عالمي جديد، والذي بلغ مرحلة متقدمة.

ويضيف أن تحليل سبندر يمكن اعتباره أساسًا لفهم الوضع الراهن، قائلًا إننا نتحدث اليوم عن غرب «يتفكك فعليًا»، وعن مجموعة من السياسيين الذين تراجع مستواهم ليس من الناحية السياسية فحسب، بل أيضًا من حيث الكفاءة والقيادة.

ويشير إلى وجود العديد من القراءات التي تخلص إلى أن الغرب، بعد الحرب العالمية الثانية، تراجع إلى مرحلة تسبق الحرب العالمية الأولى، مضيفًا أن هذا هو الوضع الذي يتزامن مع انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويؤكد إرسانيل أن المؤسسات والمنظمات الدولية التابعة للنظام القائم تأثرت بدورها بحالة التقادم والعجز نفسها، ولذلك لا يُتوقع منها أن تقدم علاجًا للأزمات القائمة.

الأمم المتحدة وغياب الحلول

يقول الكاتب إن ما ستشهده المرحلة المقبلة سيكون، على الأرجح، مزيدًا من الحديث عن تطوير العلاقات الثنائية، وإظهار القوة، وتعزيز الحضور، إلى جانب خطابات كثيرة وفضفاضة بشأن أوضاع العالم.

ويضيف: «إذا صدرت مواقف مؤثرة من دولة أو دولتين مثل تركيا، وهو ما حدث، فذلك أمر جيد».

وفي هذا السياق، يرى إرسانيل أن اقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إصلاح هيكل العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، والمطالبة بإلغائه واستبداله بعضوية دورية وانتخابية، يمثل في جوهره انتقادًا عميقًا للنظام القائم.

ويؤكد أن هذا الطرح ليس جديدًا، مشيرًا إلى أنه يأتي في إطار شعار «العالم أكبر من خمسة»، الذي يعبر عن رؤية تركيا بشأن إصلاح النظام الدولي.

ويلفت الكاتب إلى أن الاقتراح يتضمن، بطبيعة الحال، إلغاء الامتياز الثاني الكبير الذي تتمتع به الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو حق النقض «الفيتو»، قائلًا إن العضوية الدائمة وحق النقض لا يسهمان في حل مشكلات العالم، بل يضيفان إليها مشكلات جديدة.

ويصف إرسانيل المقترح بأنه «اقتراح محق وشجاع إلى حد كبير»، موضحًا أن عشرات الدول تتبنى الرأي نفسه، لكنها لا تستطيع إعلان دعمها له علنًا.

وينتقد موقف أعضاء مجلس الأمن الدولي من مقترحات إصلاح المنظمة، معتبرًا أن تعاملهم معها لا يتجاوز المماطلة، وأن الأجواء توحي بأنهم قد يلجأون إلى إظهار القوة إذا وصلت الأمور إلى تلك المرحلة.

ويقول: «الفيتو في الواقع امتياز لعدم تقديم الحساب. إنهم لا يريدون التخلي عنه».

ويحذر الكاتب من أن استمرار هذا الوضع لن يؤدي إلى إعادة تأهيل الأمم المتحدة، بل قد يمهد حتى لنهايتها، مضيفًا: «أنقرة لا تريد شيئًا من هذا القبيل. إنها تريد أن تعمل الأمم المتحدة من أجل الأفضل».

ويرى إرسانيل أن هذا الموقف يعبر عن «التجسيد الملموس للتوطيد المعنوي للغرب ووعوده للعالم»، لكنه يستدرك قائلًا إن الأطراف المعنية باتت بعيدة إلى حد كبير عن العقل والقلب.

اجتماع الدول الكبرى أهم من الجمعية العامة

ينتقل الكاتب إلى الحديث عن دلالات اجتماع نحو 200 دولة للمرة الـ81، من دون أن تتمكن من تقديم حلول لمشكلات العالم أو حتى منح شعوبه الأمل.

ويقول إن هذا الوضع يمثل، بحد ذاته، تشخيصًا للأزمة، قبل أن يستشهد بمثال يتعلق بغياب الرئيس الصيني عن اجتماعات الأمم المتحدة، رغم وجوده في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها.

ويشير إلى أن الرئيس الصيني سيلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، بعدما يغادر الأخير اجتماعات الأمم المتحدة ويتوجه إلى واشنطن لهذا الغرض.

ويضيف: «الحقيقة المجردة هي أن لقاء البلدين يُنظر إليه باعتباره أكثر أهمية من الجمعية العامة للأمم المتحدة».

ويرى إرسانيل أن الجميع سيضبطون مواقفهم وفقًا لهذا اللقاء، بصرف النظر عن الخطابات التي ستلقى خلال جلسات الجمعية العامة، وسواء اتفق البلدان أو اختلفا.

ويصف الكاتب ذلك بأنه منطق السياسة الواقعية، لكنه يطرح تساؤلًا بشأن دور الأمم المتحدة، قائلًا إنه لو كانت المنظمة قادرة على عكس قوتها الحقيقية، لاضطر البلدان إلى الجلوس في قاعة الجمعية العامة، طوعًا أو كرهًا.

تركيا أمام فرص جديدة في النظام الدولي

يرى إرسانيل أن مقترحات تركيا ومواقفها النقدية تأتي في مرحلة تشهد فيها التذبذبات التي يعيشها النظام الدولي ظروفًا قد تخدم مصالح أنقرة بدرجة أكبر.

ويقول إن عتبة الانتقال إلى «العالم الجديد» تخلق فرصًا محتملة وقائمة، ترسم مشهدًا يصب في مصلحة تركيا، مشددًا على أن المطلوب هو الانتباه إلى المخاطر وإدارتها بصورة متينة.

ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن ما تقوله تركيا بشأن إحياء الأمم المتحدة، التي تمثل المنتدى الملموس لأوسع توافق بنته البشرية، يعد أمرًا يبعث على الفخر الحقيقي من ناحية طبيعة السياسة الخارجية التركية.

ويضيف أن سبب الاستمرار في اتخاذ هذه المواقف، رغم الظروف القائمة، يتمثل في أن الانتقال إلى العالم الجديد سيحدث في نهاية المطاف، قائلًا إن المرحلة الانتقالية ستتجاوز عتبتها عاجلًا أم آجلًا.

ويرى أن النظام الدولي الذي سيظهر بعد انتهاء مواجهة العالم القديم مع العالم الجديد، قد يفتح أبوابًا أمام عالم أكثر مساواة وعدلًا.

ويشدد على أن تصور العالم متعدد الأقطاب ينبغي ألا يعني مجرد «انتقال القوة» أو «تقاسم القوة مجددًا بين الكبار».

التعددية القطبية وتحول مراكز القوة

يستشهد إرسانيل بما كتبه المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون في مجلة «فورين أفيرز» عام 1996، حول طبيعة الثقافة الغربية وانتشارها عالميًا.

وينقل عنه قوله: «إن الادعاء بأن انتشار الثقافة الشعبية والسلع الاستهلاكية في أنحاء العالم يمثل انتصارًا للحضارة الغربية، يشير من جهة إلى التقليل من شأن قوة الثقافات الأخرى، ومن جهة أخرى إلى تخفيف الثقافة الغربية إلى حد كبير، من خلال ربطها بالأطعمة الدسمة والسراويل الباهتة والمشروبات الغازية، وتصويرها على هذا النحو. إن جوهر الثقافة الغربية هو الماغنا كارتا، وليس الماغنا ماك».

ويصف الكاتب هذه العبارات بأنها كانت لامعة بالنسبة إلى زمنها، لكنه يرى أنها لا تعبر عن الحقيقة كاملة اليوم.

ويشير إلى أن «المثال» المتعلق بسيادة القانون وإخضاع النخب للمساءلة لا يزال قائمًا، لكنه يوضح أن عناصر رأس المال والقوة تغيرت إلى درجة لم يعد معها بالإمكان تعريف المشهد من خلال المشروبات الغازية أو الهمبرغر أو تصدير الثقافة فقط.

ويقول إن انتشار الهواتف المحمولة والذكاء الاصطناعي في العالم عبر الغرب، «يجعلنا، بما في ذلك نحن، نتحول إلى الغرب نفسه».

ويضيف أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إن رأس المال الجديد وصل إلى مستوى من القدرة والقوة يتيح له المطالبة بدور في إدارة العالم والغرب.

ويشير إلى أن هذا الرأس المال بدأ يصف ما تبقى من إرث الماغنا كارتا بأنه «بيروقراطية وأغلال تكبل الأقدام»، كما بدأ يوجه السلطات السياسية علنًا، بل ويسعى إلى الاستيلاء عليها.

تراجع الغرب وأسباب التحول الاقتصادي

يرى إرسانيل أن ربط أسباب الانتقال من جنون الليبرالية في تسعينيات القرن الماضي إلى النظام العالمي الجديد بالدوافع الاقتصادية، أمر واضح تمامًا.

ويقول إن الغرب يتراجع لأن الاقتصاد المؤسسي انهار، ولأن «الاقتصاد الجديد» المرشح ليحل محله لم يعد يريد تلك المنظومة.

ويختتم الكاتب مقاله بعبارة تعكس موقفه من مسؤولية القوى الكبرى عن التحولات الراهنة، قائلًا:

«نحن لم نفعل هذه الأشياء، لكننا دفعنا ثمنها. وفوق ذلك، نحاول إصلاحها. أما هم، فليعرفوا كيف يتصرفون».

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!