ترك برس

في مقال تحليلي نشرته صحيفة «يني شفق» التركية، يتتبع الكاتب تورغاي يرليكايا مسار الحراك الاجتماعي في فرنسا منذ الثورة الفرنسية عام 1789 وصولاً إلى الاحتجاجات الطلابية الراهنة، مستنداً إلى أطروحات عالم الاجتماع تشارلز تيلي الذي يخصص مساحة خاصة للثورة الفرنسية في أدبيات الحركات الاجتماعية. 

ويرى تيلي، كما ينقل الكاتب، أن الأفعال الاحتجاجية قبل الثورة كانت محلية ومحددة، لكنها بعد 1789 اتجهت مباشرة نحو السلطة المركزية، وأصبح بمقدور الجماهير الواسعة مواجهة الدولة في مطالبها وحقوقها. ويعتبر يرليكايا أن هذا الحدث التاريخي العالمي شكّل نقطة انطلاق للحركات الاجتماعية الحديثة، وجعل فرنسا مختبراً غنياً لهذا النوع من الحراك على مدى القرون اللاحقة.

ويتابع الكاتب أن فرنسا عادت بعد نحو مئتي عام لتكون مصدراً لحدث عالمي آخر هو احتجاجات 1968، التي مثّلت نموذجاً لما يُسمى في الأدبيات بـ«الحركات الاجتماعية الجديدة». فقد برزت حينها موضوعات مثل المكانة والهوية وأسلوب الحياة وقضايا المرأة، وانتشرت سريعاً في مراكز أوروبية مهمة، مما جعل صيف 1968 مكثفاً على صعيد الحراك الاجتماعي. أما في تركيا، فيشير يرليكايا إلى أن انعكاس هذا الحراك تمثل في تعبئة سريعة لطلاب الجامعات وعمليات احتلال و مقاطعة وصعوداً أيديولوجياً حاداً.

وينتقل الكاتب إلى الواقع المعاصر، موضحاً أنه رغم غياب حدث عالمي تاريخي مماثل اليوم، فإن فرنسا تواجه حراكاً اجتماعياً ممتداً منذ نحو ثلاثة أسابيع يتمثل في تحركات طلابية تُناقش على خلفية نتائجها السياسية المحتملة قبيل الانتخابات الرئاسية. ويؤكد أن هذه التحركات، التي بدأت إقليمية ثم امتدت سريعاً إلى عموم فرنسا، أحدثت أثراً غير متوقع وأثارت قلقاً ونقاشات حول نطاق تأثيرها. كما يلاحظ ارتباطها رمزياً بالثورة الفرنسية عبر ساحة الباستيل، وحصولها على دعم واضح من جان لوك ميلونشون أحد أبرز وجوه اليسار الفرنسي.

وفي محاولة للإجابة عن سؤال «ماذا يريد الطلاب؟»، يرى يرليكايا أن الحراك يعكس حالة من عدم الارتياح الاجتماعي تتقاطع مع شكاوى الشعب الفرنسي المتراكمة منذ فترة طويلة، بدءاً من ارتفاع أسعار الوقود ومشكلات العمال وصولاً إلى مطالب الطلاب التعليمية. وبشكل أكثر تحديداً، يرى الطلاب أن التمويل المخصص للتعليم غير كافٍ، وأن تكافؤ الفرص في التعليم يمثل المشكلة الأكبر. ويشير إلى أن هذا الاستياء الذي برز أولاً في مشكلات الضواحي امتد إلى قضايا المنح والإسكان لدى طلاب الجامعات، مما يرفع احتمالات تصاعد أكثر حدة.

أما على الصعيد السياسي، فيربط الكاتب تأثير الحراك باحتمال تقاطعه مع مكونات أخرى من المجتمع، خاصة النقابات العمالية والجماهير المتضررة من السياسات الاقتصادية. ويستذكر تجربة «السترات الصفراء» ليعتبر أن اتساع الحراك الحالي قد يتحول إلى مشكلة صعبة الإدارة. وفي سياق أعمق، يلفت إلى صعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان التي تتقدم في استطلاعات الرأي، معتبراً هذا الصعود جزءاً من ظاهرة أوروبية أوسع تجلت أيضاً في الانتخابات الألمانية الأخيرة. ورغم أن لوبان تبتعد عن الاحتجاجات الحالية بسبب دعم اليسار ومظاهر العنف، فإن السياسة الفرنسية، بحسب الكاتب، تظهر تراجعاً في نفوذ الوسط.

ويختم يرليكايا بوضع الحراك في سياقه الأوروبي الأوسع، مشيراً إلى أن فرنسا، كجزء من قارة تواجه تحديات في سباق الذكاء الاصطناعي والتقنيات المعلوماتية مع أمريكا والصين، وتعاني مشكلات في الصناعات الدفاعية والقدرات العسكرية، وتشهد نقاشات داخلية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ستجد في قدرتها على احتواء التحركات الطلابية أو فشلها في ذلك عنواناً مهماً لمستقبلها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!