ترك برس

في ظل تصاعد النفوذ الإسرائيلي في أرض الصومال، تبرز تركيا ومصر بوصفهما قوتين إقليميتين تسعيان إلى موازنة هذا الحضور، لكن بأدوات مختلفة. فبينما تعزز أنقرة نفوذها العسكري والاقتصادي في مقديشو، تعتمد القاهرة على ثقلها السياسي والدبلوماسي. فكيف تختلف أوراق البلدين، وأيهما أكثر حضورًا على الأرض؟

ويرى طاهر محمود الجيلي، ضيف برنامج "موازين" الذي بث الأربعاء على شاشة الجزيرة، أن تركيا ومصر تقودان مواجهة النفوذ الإسرائيلي في أرض الصومال، لكن بأدوات متباينة: أنقرة بحضور أمني واقتصادي راسخ، والقاهرة بثقل سياسي ودبلوماسي أكثر منه ميداني.

وبعد أن صارت إسرائيل أول دولة تعترف بإقليم أرض الصومال في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، وما رافق ذلك من حديث عن قاعدة عسكرية محتملة في بربرة، برز سؤال طبيعي: من يملك في المحيط الإقليمي أن يوازن هذا المسار؟ تتكرر في الإجابة دولتان لكل منهما حساباته وأدواته في مقديشو.

وفي حلقة (2026/10/14) من "موازين" يرسم الدبلوماسي الصومالي السابق والخبير في الشأن الصومالي طاهر محمود الجيلي صورة لدورين مختلفين في العمق: دور تركي ترسخ على الأرض عبر السلاح والاقتصاد والوساطة، ودور مصري حاضر سياسيا لكنه أقل أثرا في الميدان.

تركيا.. حضور يبدأ من ثكنة

الحضور التركي في الصومال ليس شعارا، بل بنية قائمة. فمنذ عام 2017 تدير تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في مقديشو، وهي قاعدة "تركسوم" التي دربت آلاف الجنود الصوماليين ضمن جهد لإعادة بناء الجيش الوطني.

ولا يقف الدور التركي عند التدريب. ففي عام 2024 وقعت أنقرة ومقديشو اتفاقات للتنقيب عن النفط والغاز، وأرسلت تركيا سفينة مسح إلى المياه الصومالية في المحيط الهندي للبحث عن الموارد الهيدروكربونية، في توسيع للشراكة من البعد الأمني إلى البعد الاقتصادي.

مذكرة إثيوبيا

الاختبار الأبرز للثقل التركي جاء مع أزمة مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال، الموقعة في الأول من يناير/كانون الثاني 2024، والتي كانت ستمنح أديس أبابا منفذا بحريا مقابل احتمال اعترافها بالإقليم. فقد قادت أنقرة وساطة بين مقديشو وأديس أبابا أفضت في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى "إعلان أنقرة" الذي نزع فتيل الأزمة واحتوى المذكرة.

ويقرأ الجيلي هذا الدور بوصفه نموذجا لما يمكن لقوة إقليمية فاعلة أن تحدثه حين تملك أدوات على الأرض لا مواقف فحسب، وهو ما يجعل تركيا، في تقديره، الطرف الأكثر قدرة على موازنة أي حضور إسرائيلي في الجوار.

مصر.. ثقل سياسي

الدور المصري، في قراءة الضيف، أقدم سياسيا لكنه أقل رسوخا ميدانيا. فللقاهرة علاقة ممتدة بالملف الصومالي، تتجدد مع كل توتر في القرن الأفريقي، خصوصا حين يتقاطع مع أمنها المائي في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا.
وقد تحول هذا الاهتمام إلى خطوة عملية حين وقعت مصر والصومال في 14 أغسطس/آب 2024 اتفاق تعاون عسكري في القاهرة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وحسن الشيخ محمود، أعقبه إرسال شحنات أسلحة إلى مقديشو ومشاركة قوات مصرية في بعثة دعم وتثبيت الاستقرار التابعة للاتحاد الأفريقي.

هدف وافتراق بالعمق

يخلص الخبير بالشأن الصومالي إلى أن الدورين يلتقيان في الهدف ويفترقان في العمق. فتركيا حاضرة بثكنة وميناء وسفينة تنقيب ووساطة أثمرت اتفاقا، بينما يبقى الحضور المصري أقرب إلى الدعم السياسي والعسكري المحدود منه إلى النفوذ الميداني الراسخ.
وبين هذا وذاك، تبقى الفجوة قائمة بين ما يطمح إليه العمق العربي من دور يوازن المشروع الإسرائيلي، وما هو متحقق فعلا على الأرض. فالجغرافيا، كما يرى الضيف، في صف الصومال، لكن ترجمتها إلى توازن فعلي تحتاج إلى حضور إقليمي أكثر تنسيقا وثباتا مما هو قائم اليوم.

وشهدت القارة الإفريقية خلال العقدين الأخيرين تنافسًا متزايدًا بين قوى إقليمية ودولية لتعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي، وفي مقدمتها إسرائيل وتركيا، خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي التي تكتسب أهمية استراتيجية لإشرافها على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

وسعت إسرائيل منذ عقود إلى توسيع علاقاتها مع الدول الإفريقية عبر التعاون الأمني والزراعي والتكنولوجي والدبلوماسي. وفي عام 2021 حصلت على صفة مراقب لدى الاتحاد الإفريقي، قبل تعليقها عام 2023 وسط خلافات بين الدول الأعضاء بشأن علاقاتها مع تل أبيب والقضية الفلسطينية.

وشكّل اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 محطة جديدة في تحركاتها بالقرن الإفريقي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للإقليم على خليج عدن، في خطوة رفضتها الحكومة الصومالية والاتحاد الإفريقي، وسط مخاوف من تأثيرها على استقرار المنطقة.

في المقابل، شهد النفوذ التركي في إفريقيا توسعًا ملحوظًا منذ مطلع الألفية، إذ ارتفع عدد السفارات التركية بالقارة من 12 سفارة عام 2002 إلى 44، فيما بلغ حجم التبادل التجاري نحو 40 مليار دولار عام 2025، بالتوازي مع تنامي الاستثمارات والتعاون الأمني والدفاعي.

ويُعد الصومال أبرز نماذج هذا التوسع، حيث تدير أنقرة منذ عام 2017 قاعدة عسكرية في مقديشو لتدريب القوات الصومالية، وعززت حضورها باتفاقيات دفاعية واقتصادية عام 2024، إلى جانب مشاريع التنقيب عن النفط والغاز التي دخلت مرحلة الحفر البحري خلال عام 2026. كما نجحت تركيا في رعاية «إعلان أنقرة» بين الصومال وإثيوبيا في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما عزز دورها الدبلوماسي في تسوية النزاعات الإقليمية.

ومع تزايد التوترات في القرن الإفريقي، باتت المنطقة ساحة لتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، وسط تساؤلات بشأن انعكاسات الحضور الإسرائيلي الجديد في أرض الصومال على موازين النفوذ الإقليمي، ولا سيما في ظل الشراكة التركية المتنامية مع الحكومة الصومالية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!