يحيى بستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

أصبح اليمن جبهة جديدة في الحرب الأمريكية الإيرانية. والحرب آخذة في الاتساع. وتُحمّل إيران السعودية ثمنًا باهظًا من أجل السيطرة على مضيق باب المندب. ولا يزال من غير الواضح أين ستتوقف الحرب الأمريكية الإيرانية تحديدًا، أو إلى أي مدى آخر ستتوسع. ويجري الحديث عن استعدادات لشن هجوم جديد على إيران، وفق جدول زمني مضبوط على موعد الانتخابات (وللجدل الذي شهدته أذربيجان صلة أيضًا بالتوقعات المتعلقة بهذا الهجوم). ويتعين على تحالف مكة أن يدعم أمن الرياض، في الوقت الذي يواصل فيه اتصالاته الدبلوماسية مع إيران. كما أن تعمّق الأزمة في اليمن سيؤثر حتمًا في التطورات الجارية في القرن الإفريقي.

أي إن الضباب يخيّم على نهاية النفق. وفوق ذلك، لم نعد نتحدث عن جنوب سوريا أو لبنان أو غزة. وليس السبب في ذلك أن المشكلات في هذه المناطق قد حُلّت، بل على العكس، يجري افتعال أزمات أكبر وتحويل أنظارنا إلى أماكن أخرى.

أحد أسباب اندلاع الحرب في إيران هو حالة الذعر التي تعيشها إسرائيل. وما دفع إسرائيل إلى الذعر هو عودة احتمال قيام دولة فلسطينية إلى الظهور بعد سنوات، وإجبار الإبادة الجماعية في غزة المجتمع الدولي على التحرك في هذا الاتجاه. فقد أثار اجتماع القادة في الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، ومن بينهم الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واتخاذ قرار بإنشاء مجلس سلام لغزة، والإشارة الصريحة إلى الدولة الفلسطينية في «إعلان نيويورك» الصادر في هذا الإطار، مخاوف إسرائيل. وتتمثل القضية الأساسية بالنسبة إلى إسرائيل في منع قيام دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية، والقضاء نهائيًا على هذا الاحتمال. ومنذ ذلك الحين، كرّس نتنياهو كل طاقته لإقناع ترامب بمهاجمة إيران، بهدف تحويل الأنظار إلى مكان آخر. وقد نجح في ذلك بالفعل.

الأمر الواضح هو أنه ما دام الفلسطينيون يعيشون في فلسطين، فسيظل احتمال قيام دولة فلسطينية قائمًا. ولهذا تريد إسرائيل حل هذه المشكلة «من جذورها»، وإخراج الفلسطينيين من فلسطين.

تتذكرون أن إسرائيل كانت تريد إرسال الفلسطينيين من غزة إلى دول ثالثة. بل إن هذا الاقتراح شكّل أساسًا لخطة ترامب المعروفة باسم «ريفييرا». وعندما أُثير الجدل، تراجع الرئيس الأمريكي عن موقفه. لكن إسرائيل واصلت المضي في مخططاتها، والبحث عن دول ثالثة يمكنها «استقبال» الفلسطينيين. وهي تتبع في هذا الصدد نهجًا يقوم على مسارين: الأول، محاولة إقناع الدول الثالثة عبر تقديم مختلف الحوافز لها. والثاني، إجبار الفلسطينيين على الاستسلام من خلال إبقاء غزة غير صالحة للعيش، ومنع الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، وتشجيع إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية.

المعلومات الواردة من الميدان لا تبعث على التفاؤل. فبعد مرور كل هذه السنوات، لا تزال إسرائيل تمنع وصول المساعدات إلى غزة بذريعة أو بأخرى. والشتاء على الأبواب، ولم تتم تلبية سوى 17 بالمئة من احتياجات الإيواء. ويقيم معظم سكان القطاع، البالغ عددهم مليوني نسمة، في مخيمات معرضة لخطر الفيضانات. كما يصعب الحصول على وجبات ساخنة ومواد النظافة والمياه النظيفة والخدمات الصحية. وبينما تدخل الحرب عامها الثالث، ولا يزال موعد انتهائها مجهولًا، لا أحتاج حتى إلى الحديث عن تعليم الأطفال واحتياجاتهم الأساسية.

فما الوضع إذن في خطة السلام الخاصة بغزة؟ في 31 يوليو/ تموز، أعلن ترامب أن حماس وافقت على إلقاء سلاحها، وأن القوات الإسرائيلية ستنسحب من غزة أيضًا. لكن نتنياهو رفض هذه الخطة صراحة. فما النتيجة؟ الخطة لا تُنفّذ. ولا تزال اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي ستتولى إدارة غزة تنتظر في القاهرة، لأن إسرائيل لا تسمح لها بالدخول. كما لا يستطيع المرشحون الفلسطينيون للشرطة، الذين وافقت عليهم إسرائيل، مغادرة غزة لتلقي التدريب. وفي هذه الأثناء، بينما تحوّلت الأنظار إلى إيران واليمن، توسّع إسرائيل المناطق التي تسيطر عليها في غزة من خلال نقل كتل الخط الأصفر (الأمم المتحدة: تسيطر إسرائيل على 65 بالمئة من غزة، بعدما كانت النسبة المتفق عليها قبل عام 53 بالمئة).

تشير المعلومات التي حصلت عليها إلى أن تل أبيب كثّفت سياساتها الرامية إلى إجبار الفلسطينيين على الهجرة. ولم تُفضِ مساعي إسرائيل للعثور على دول ثالثة إلى نتيجة. وهي تركز حاليًا كل جهودها على السياسات التي من شأنها دفع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية إلى الاستسلام. وستزيد الضغوط عليهم.

بسبب سياسات العنف الإسرائيلية المستمرة منذ عقود، أصبح عدد كبير من الفلسطينيين، يُقدّر بنحو 10 ملايين، موزعين بالفعل على دول مجاورة لفلسطين أو قريبة منها. وقد لجأ هؤلاء الفلسطينيون إلى البلدان المجاورة وهم يحملون في وجدانهم أملًا مفاده: «سأعود إلى بيتي يومًا ما».

لكن ثمة أمورًا تغيّرت بفعل الإبادة الجماعية في غزة؛ إذ يفقد الفلسطينيون الأمل في البقاء في منازلهم أو «العودة إلى ديارهم». إنهم يمرون بتحوّل مفصلي. ووفقًا للتقارير الواردة من الميدان، بدأت حركة هجرة محدودة، سواء من داخل فلسطين أو من أوساط الجاليات الفلسطينية المقيمة في دول المنطقة، ولا سيما باتجاه الدول الأوروبية. ولا يزال من المبكر الحديث عن هجرة جماعية. لكن يُقال إن عدم إحراز تقدم في «خطة ترامب»، وعدم الانتقال حتى إلى المرحلة الثانية منها، والضغوط المكثفة المفروضة على سكان غزة، وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، قد يحوّلون حركة الهجرة المحدودة هذه إلى موجة هجرة جماعية. وعند النظر إلى مسارات الهجرة، نجد أن الدول الأوروبية تبرز خصوصًا ضمن الوجهات المستهدفة.

هذا المشهد يبعث على الرعب. فإذا حدث ذلك، سيتشتت الشعب الفلسطيني، ويتلاشى احتمال قيام دولة فلسطينية، وتصبح الطريق أمام إسرائيل أكثر انفتاحًا لتنفيذ عمليات احتلال جديدة. كما ستتعمق الصراعات الإقليمية وحالة عدم الاستقرار، وسينقلب الواقع الجيوسياسي وميزان القوى في المنطقة رأسًا على عقب. وستصبح أوروبا وجهة لموجة هجرة ضخمة. إنه سيناريو يخسر فيه الجميع باستثناء إسرائيل. وعلى الجميع القيام بما يقع على عاتقهم من أجل وقف إسرائيل.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس