ترك برس

في الحروب الحديثة لم يعد القتال مقتصراً على خطوط الجبهة التقليدية، بل امتد ليطال البنى التحتية الرقمية والاقتصادية في أعماق العدو، حيث تتحول مراكز البيانات والمصافي ومستودعات الذخيرة إلى أهداف استراتيجية تؤثر مباشرة في قدرة الجيوش على الاستمرار. 

وفي هذا السياق، يقدم الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، تحليلاً معمقاً في موقع «إندبندنت تركية» حول هجمات أوكرانيا على مراكز بيانات شركة ياندكس الروسية، كاشفاً أبعاد استراتيجية الاستنزاف غير المتكافئ والضربة العميقة وتأثيراتها على مجريات الحرب.

يقول الكاتب إن من يستخدمون خدمات خرائط ياندكس والرقمية في تركيا لن يجدوا صعوبة في فهم نتائج الهجمات على مراكز البيانات الروسية، إذ تظهر هذه الهجمات أن الحرب امتدت من خط الجبهة إلى البنية التحتية الرقمية على بعد آلاف الكيلومترات. 

ويوضح كاندمير أن الصراع بين أوكرانيا وروسيا يسير على مسارين متوازيين: ففي دونباس يحاول الجيش الروسي التقدم بالقوة البشرية ونيران المدفعية والقنابل الموجهة، بينما ترفع أوكرانيا تكلفة الحرب في العمق الروسي من خلال استهداف المنشآت الحيوية.

ويثير هذا الواقع، بحسب الكاتب، سؤالاً جوهرياً حول كيفية تقييم القوة العسكرية: هل تحدد وحدات الجبهة وحدها قدرة الجيش على القتال؟ أم أن إنتاج الوقود ومخزونات الذخيرة وشبكات اللوجستيات والبنية الرقمية تشكل جزءاً أساسياً من المعادلة نفسها؟ فأي خلل يصيب هذه الأنظمة ينعكس مباشرة على عمليات القوات في الخطوط الأمامية. 

ويصف كاندمير مقاربة أوكرانيا بأنها تقوم على مفهومي «الاستنزاف غير المتكافئ» و«الضربة العميقة»، حيث لا تسعى كييف إلى موازنة التفوق الروسي في الأفراد والنيران بشكل مباشر، بل تستهدف الأنظمة التي تسمح باستدامة هذا التفوق، بهدف تآكل المرونة الاقتصادية والتكنولوجية الروسية مع مرور الوقت، لا تحقيق نصر عسكري حاسم في الأجل القصير.

ويتناول الكاتب مثال ياندكس بوصفه نموذجاً بارزاً على هشاشة البنية الرقمية. ويشير إلى تقارير تفيد بأن أوكرانيا استهدفت مراكز بيانات ياندكس في ثلاث مناطق روسية مختلفة، إضافة إلى مركز معالجة بيانات حساس تابع لبنك سبيربانك. 

ووفقاً لهذه التقارير، فإن استهداف ثلاثة من أصل ستة مراكز بيانات تابعة لياندكس أثر على نحو نصف بنيتها التشغيلية. ولم تقتصر التداعيات على خدمات الشركة ذاتها، بل امتدت إلى منصات ياندكس كلاود وياندكس باي، وإلى قطاعات التجارة الإلكترونية والفوترة واللوجستيات التي تعتمد على بنيتها التحتية.

ويشرح كاندمير سبب اتساع نطاق التأثير قائلاً إن الخدمات في الاقتصاد الرقمي لا تعمل بمعزل عن بعضها؛ فأي انقطاع في بنية شركة واحدة ينتشر إلى المؤسسات الأخرى التي تعتمد عليها، فتتحول الضربة على منشأة مادية إلى نتائج اقتصادية متعددة القطاعات. 

ويضيف أن التقارير كشفت عن وجود ثلاثة حواسيب فائقة في المنشآت المستهدفة كانت تُستخدم لتدريب نماذج اللغة الكبيرة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتعتمد على معالجات AMD Epyc ومسرعات Nvidia A100. ومع العقوبات الدولية وقيود التوريد، قد يتحول إصلاح هذه الأنظمة إلى مسألة تستنزف الوقت والموارد بالنسبة لروسيا.

ويبرز الكاتب هنا تناقضاً في مفهوم السيادة الرقمية الروسية: فموسكو تركز على إبقاء البيانات داخل البلاد والرقابة المركزية على البنية التحتية للإنترنت، إلا أن تركيز القدرات الحساسة في منشآت محددة يخلق نقاط ضعف جديدة أمام الهجمات المادية. 

وفي المقابل، يشير إلى أن توزيع أوكرانيا لبياناتها الحساسة على بنى سحابية دولية يعكس مقاربة مختلفة للمرونة. فالاحتفاظ بالبيانات داخل الحدود لا يضمن الأمن وحده؛ بل إن توزيع البنية وقدرة النسخ الاحتياطي وسرعة استعادة الخدمات بعد الضرر هي العوامل الحاسمة. ويخلص إلى أن السيادة الرقمية لا تقتصر على مكان وجود البنية، بل على مدى قدرتها على الصمود أمام الهجمات.

ولا تقتصر ضربات العمق الأوكرانية، بحسب كاندمير، على البنية الرقمية. فالمصافي النفطية ومحطات التصدير ومستودعات الذخيرة ومراكز اللوجستيات تدخل أيضاً ضمن الأهداف. ويستهدف الهجوم على مصافي موسكو وكستوفو وياروسلافل وكيريش وتوابسي الضغط على قدرة روسيا في تكرير النفط وتوريد الوقود، بينما تمثل موانئ بريمورسك وأوست لوغا في بحر البلطيق ومحطة نوفوروسيسك في البحر الأسود أهمية بالغة لاستمرار صادرات النفط. ويواجه موسكو بذلك مشكلتين متزامنتين: تأمين الوقود للاحتياجات العسكرية والمدنية من جهة، والحفاظ على عائدات تصدير النفط من جهة أخرى، مع صعوبة إصلاح المعدات المتضررة بسبب العقوبات.

ويؤكد الكاتب أن تأثير كل هجوم على الإنتاج ليس متساوياً، ويجب تقييم الأثر الاستراتيجي بالنظر إلى طاقة المنشأة وحجم الضرر ومدة الإصلاح معاً. أما الهجمات على مستودعات الذخيرة في توروبتس وأوكتيابرسكي وتيخوريتسك فتضرب بعد الإمداد، وقد تؤدي إلى فقدان ذخائر مخصصة للجبهة وإعادة ترتيب منظومة التموين. 

كما تدخل القواعد الجوية الاستراتيجية والرادارات وأنظمة الدفاع الجوي ضمن هذه المعادلة، حيث تسعى أوكرانيا إلى زيادة عبء حماية الأصول العسكرية الروسية المنتشرة على رقعة جغرافية واسعة، مما يجبر موسكو على الدفاع عن منشآتها الداخلية وخطوط النقل إلى جانب دعم قواتها في الجبهة.

ويتساءل كاندمير: هل تعني هذه الضربات في العمق أن أوكرانيا استولت على المبادرة في الحرب ككل؟ ويجيب بأن الأمر يتطلب الفصل بين خط الجبهة والعمق الاستراتيجي. ففي الجبهة البرية يواصل الروس ضغطهم بالقوة البشرية والمدفعية والذخيرة، بينما تعاني أوكرانيا من نقص الأفراد ومشكلات التناوب، مما يثقل عبء الدفاع، وتبقى تطورات دونباس حاسمة في تقييم المبادرة التكتيكية والعملياتية. أما في العمق الاستراتيجي فتدور معركة مختلفة؛ إذ تستطيع أوكرانيا استهداف منشآت بعيدة بطائرات مسيرة طويلة المدى، مما يضطر موسكو إلى نشر مواردها الدفاعية على مساحة أوسع.

ويشير الكاتب إلى أن الحجم الجغرافي لروسيا يولد نتيجتين متعارضتين: فهو يوفر عمقاً استراتيجياً، لكنه يزيد في الوقت نفسه عدد الأهداف التي يجب حمايتها من منشآت الطاقة ومراكز اللوجستيات والبنية العسكرية. 

وتمتلك موسكو خيارات للرد، أبرزها تعزيز الدفاع الجوي وتوزيع المنشآت الحساسة وإصلاح البنية المتضررة، إلى جانب الدعم بالذخيرة والأفراد من كوريا الشمالية والعلاقات الاقتصادية مع الصين. كما يمكن لروسيا مواصلة استهداف البنية الطاقوية الأوكرانية، غير أن كل هذه الإجراءات تتطلب موارد، وارتفاع الإنفاق على الدفاع والإصلاح وإعادة الإنتاج يرفع التكلفة الإجمالية للحرب.

وفي الختام، يؤكد كاندمير أن الهدف الأساسي لاستراتيجية الضربة العميقة الأوكرانية ليس إيقاف الجيش الروسي بضربة واحدة، بل استنزاف الأنظمة الاقتصادية والتكنولوجية واللوجستية التي تمكن روسيا من مواصلة الحرب. فالقدرة العملياتية للجيش تعتمد على قوة وحداته في الجبهة بقدر ما تعتمد على كفاءة الأنظمة التي تغذيها. 

غير أن ضربات العمق وحدها لا تحقق نصراً في الجبهة؛ بل يرتبط أثرها العسكري بمدى قدرتها على تقييد الإنتاج والإمداد والإصلاح. ومن بين العوامل التي ستحدد مسار الحرب قدرة كل طرف على تعويض خسائره بسرعة أكبر. لذا ينبغي النظر إلى عمليات الضربة العميقة الأوكرانية بوصفها معركة استنزاف ومرونة في آن واحد.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!