سعيد الحاج - الجزيرة.نت

شكلت بعض قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صدمات عديدة وأثارت الهواجس لدى الأصدقاء والخصوم على حد سواء، ما دفع البعض لمحاولة تجنب الصدام معه في المرحلة الحالية، بينما يسعى البعض الآخر لخطوات وقرارات ذات طبيعة مستدامة.

ترمب وإرباك النظام الدولي

شكلت رئاسة ترمب الأولى صدمة كبيرة للكثيرين على صعيدَي الخطاب والممارسة على حد سواء، حيث خرجا في عدد كبير من النماذج عن السياسة الأمريكية التقليدية، أو بشكل أكثر دقة عن الصورة التي كانت الولايات المتحدة تحرص على تقديمها عن نفسها.

عدم الحرص على اللباقة الدبلوماسية، الخروج عن النسق في التصريحات، الصراحة المفرطة التي تحولت أحيانا إلى فظاظة، إضافة لنقل السفارة الأمريكية في "إسرائيل" إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لها، مع الاعتراف بضمها الجولان المحتل، الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وعدد من الاتفاقات الدولية على رأسها اتفاقية باريس للمناخ، اغتيال قاسم سليماني، والموقف من التزامات واشنطن تجاه "الناتو"، مجرد أمثلة على نهج ترمب في الرئاسة الأولى.

وفي رئاسته الحالية، يستمر ترمب في التقليل من أهمية حلف "الناتو" لبلاده بالمقارنة مع التزاماتها المالية تجاهه، ويكرر السخرية من رؤساء دول حليفة لأمريكا في مقدمتهم إيمانويل ماكرون، فضلا عن تهديدات لدول مثل كندا، والإصرار على الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، والرغبة في توسيع صلاحيات "مجلس السلام" من غزة ليكون مؤسسة دولية تعنى بحل النزاعات بشكل ينافس الأمم المتحدة.

هذا على صعيد الحلفاء والأصدقاء، أما على صعيد الأعداء والخصوم، فالمشاركة الأمريكية في الحرب "الإسرائيلية" على إيران واستهداف منشآت الأخيرة النووية، والهجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو ومسار محاكمته، والتهديد بضرب إيران مجددا، هي نماذج تؤكد استمرار "الترمبية" في قيادة قرار الولايات المتحدة الأمريكية خارج النسق التقليدي.

يتسبب كل ما سبق وأمثاله بالكثير من القلق والهواجس لدى الأصدقاء قبل الخصوم، وقد عبر رئيس وزراء كندا مارك كارني عن مشاكل النظام الدولي، فيما يبحث قادة أوروبيون عن سبل حماية القارة العجوز في حال اختفت أو أخفيت المظلة الأمريكية اليوم أو لاحقا. بالتوازي مع ذلك، يجري خصوم واشنطن وأعداؤها الكثير من الحسابات، بل والاستعداد، لمواجهات متوقعة وأخرى لم تعد مستبعدة في ظل رئاسة ترمب.

الإستراتيجية الكبرى

السؤال الجوهري هنا؛ هل هذه التوجهات والقرارات والسياسات تصدر عن شخص الرئيس فقط أم عن الموسسة الأمريكية؟، وبالتالي وبشكل أكثر دقة، هل هي مؤقتة وعابرة أم ثابتة ومستدامة؟ وعليه، ما الذي يمكن توقعه من سياسات الولايات المتحدة الخارجية وعلاقاتها الدولية في مرحلة ما بعد ترمب؟

ثمة من يرى أن ترمب استثناء في السياسة الأمريكية ويمثل قصة شخصية فريدة، حيث أتى من خارج الحياة السياسية والحزبية ليفرض نفسه مرشحا عن الحزب الجمهوري، ويقدمون قرائن من قبيل سياساته وقراراته التي تخالف النهج الأمريكي التقليدي. بيد أن نظرة أكثر عمقا تقول بعكس ذلك.

عدد من الشواهد والقرائن المهمة يمكن رصدها في هذا الصدد. فترمب ليس مجرد رئيس الصدفة في فترته الأولى، إذ عاد- رغم ما سبق- بفترة رئاسية ثانية وبفوز أكبر وبأغلبية مريحة في الكونغرس.

في هذا الإطار، يمكن القول إن ترمب ليس استثناء في الاجتماع السياسي الأمريكي بقدر ما هو تجلٍ أو تعبير عن سياق مطرد فيه، بحيث يكون نتاج تغيرات المجتمع الأمريكي ونخبته السياسية، ويقود اليوم تيارا مجتمعيا ونخبة سياسية في الحكم.

في رئاسته الأولى، كان ثمة محطات خالف فيها ترمب المؤسسة الأمريكية، ثم أقنعته الأخيرة بالتراجع عنها، كما حصل في قراره سحب قوات بلاده من سوريا خلال اتصال هاتفي مع نظيره التركي أردوغان، وهو ما تراجع عنه لاحقا بفعل إلحاح البنتاغون تحديدا.

أما اليوم، فرغم حدة القرارات والخطوات التي ذهب إليها الرئيس الأمريكي، من قبيل عملية فنزويلا واختطاف رئيسها وضرب إيران والتهديد بتكرار ذلك، فضلا عن تهديد الحلفاء والشركاء الغربيين والأوروبيين، فلا نجد معارضة ملموسة من المؤسسة أو تراجعا بل ولا تعديلا من قبل البيت الأبيض.

أكثر من ذلك، فإن وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي صدرت قبل شهرين، تؤكد أن قرارات ترمب المشار لها لم تكن ارتجالا أو ارتباكا بقدر ما كانت تنفيذا لرؤية مرسومة للسياسة الخارجية لواشنطن، والتي من المتوقع أن البيت الأبيض استمزج قبل نشرها وإعلانها، رأي المؤسسات المختلفة.

وبوضع هذا الإطار النظري في اختبار العملياتية، ينبغي التأكيد على أن أولوية السياسة الخارجية الأمريكية ما زالت مواجهة الصين، وبالتالي ينبغي فحص ما إذا كانت هذه القرارات والتوجهات تخدم هذا الهدف أم تتناقض معه.

مثالَا فنزويلا وإيران يخدمان هذه الرؤية بشكل مركز ومكثف، عبر تعزيز التفرد الأمريكي والنفوذ بدون منافسة حقيقية من الصين أو روسيا، وفرض الاستقرار و"السلام عبر القوة" في بعض المناطق للتفرغ أكثر لمواجهة الصين.

كما أن السيطرة على النفط الفنزويلي- وربما الإيراني لاحقا- تشكل ورقة قوة إضافية في المنافسة مع الصين، فضلا عن مسألتَي غرينلاند وتهديد كندا اللتين تصبان بشكل أساسي في مسار المواجهة مع بكين.

وعليه، فإن هذه الخطوات الحادة ليست خروجا عن الرؤية التي تتبناها المؤسسة الأمريكية (الدولة العميقة وفق تعريف البعض)، وإنما تخدمها وتسير في سياقها.

ولعل رؤية هذه المؤسسة تجنح نحو تسريع المواجهة مع الصين بحيث تكون أقل استعدادا وأضعف قدرة، في حين تسعى الصين للتجنب و/أو التأجيل.

وهنا، يمكن النظر للقرارات المتعلقة بفنزويلا وإيران تحديدا من زاوية إضعاف حلفاء الصين الحاليين والمحتملين من جهة، ومحاولة استفزازها لمواجهة ليست مستعدة لها بعد من جهة أخرى، وهو ما لا يتعارض بالضرورة مع توجهات المؤسسة.

ما بعد ترمب؟

في الخلاصة، تشير ثلاثة معطيات إلى أن "نهج الرئيس ترمب" والذي يراقبه العالم بقلق ليس طارئًا ولا عابرًا، ولا يمكن التعامل معه بوصفه حالة استثنائية أو مرحلة مؤقتة قابلة للزوال.

فقد أتى هذا النهج في سياق اجتماع سياسي أمريكي اتجه أكثر فأكثر لليمين والشعبوية، ولا يناقض أولوية السياسة الخارجية الأمريكية المعتمدة من المؤسسة، بل يخدمها ويعززها من زوايا متعددة، ولذلك فلم نجد اعتراضا ملموسا أو معلنا، فضلا عن تراجع أو تعديل في السلوك في أي من القضايا المذكورة.

ستشهد الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس نهاية العام الجاري، وهو ما يعول البعض على أن يكون عامل توازن مع تفرد الرئيس الأمريكي وتوجهاته الحالية.

وبافتراض أن ذلك ممكن، من المتوقع أن يسعى ترمب لتعزيز فرص فوز الجمهوريين في هذه الانتخابات بتعميق هذا المسار مفاهيم القوة والنصر والإنجاز لدى جمهوره وبين أنصاره.

وعلى المدى البعيد، ثمة أمر واقع وحقائق تفرضها رئاسة دونالد ترمب الحالية بعد الأولى، والتي سيكون من غير السهل العودة عنها لأي رئيس مقبل، ما يعزز فكرة استمرار "الترمبية" أو نهج ترمب في السياسة الخارجية الأمريكية بشكل أساسي. فكيف والنخبة السياسية الأمريكية فيها من المعجبين بهذه السياسات والمؤيدين لها من يمكن أن يعمل على استمرارها كرئيس أو ضمن فريقه؟

وفي الخلاصة، فإن "الترمبية" ليست لحظة أو محطة عابرة، وإنما هي أقرب لظاهرة مستمرة ومستدامة على المدى المنظور، بترمب نفسه أو بغيره ممن ينتمي لهذه الظاهرة، التي ما زالت أسبابها ودوافعها وعوامل استمرارها قائمة في الداخل الأمريكي كما في النظام الدولي سواء بسواء.

عن الكاتب

سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس