حسناء جوخدار - ترك برس

تقع مدينة هكاري في أقصى الجنوب الشرقي من تركيا، عند نقطة التقاء الحدود التركية مع العراق وإيران، وسط واحدة من أكثر البيئات الجغرافية وعورة في المنطقة. وتُعرف المدينة بطبيعتها الجبلية الحادة، إذ تحيط الجبال بنحو 87.6% من مساحتها، ما جعلها عبر التاريخ منطقة عصيّة على الإخضاع الكامل، ومركزًا طبيعيًا للقبائل والمجتمعات المحلية التي حافظت على استقلاليتها وهويتها الخاصة لقرون طويلة.

هذه الطبيعة القاسية، التي شكّلت ملامح الحياة في هكاري، لم تمنع المنطقة من أن تكون موطنًا للعديد من الحضارات والإمبراطوريات التي تعاقبت على الأناضول وبلاد ما بين النهرين. فقد مرّت بها حضارات الأورارتيين، والآشوريين، والميديين، والفرس، والساسانيين، ثم دخلت ضمن نفوذ الأمويين والعباسيين، قبل أن تصبح جزءًا من حكم السلاجقة العظام، والزنكيين، والإيلخانيين، والتيموريين، وصولًا إلى الدولة العثمانية. ومع ذلك، بقيت هكاري محافظة على خصوصيتها الاجتماعية والقبلية بفعل تضاريسها الصعبة وبعدها الجغرافي.

واليوم، تُعد هكاري واحدة من أكثر المدن التركية غنى بالطبيعة البكر والتاريخ غير المكتشف، حيث تمتزج القمم الجليدية، والوديان العميقة، والأنهار المتدفقة، بالآثار التاريخية والكنائس القديمة والجسور الحجرية، لتشكل وجهة استثنائية لمحبي المغامرة والسياحة البيئية والتاريخية.

المنتزه الوطني لجبال جيلو سات

يُعد المنتزه الوطني لجبال "جيلو سات" واحدًا من أبرز المعالم الطبيعية في هكاري، ويقع ضمن جبال "إيكي ياكا" التابعة لمنطقة "يوكساك أوفا". وتشتهر هذه المنطقة بقممها الجليدية الشاهقة وبحيراتها المتشكلة بفعل الأنهار الجليدية، ما يمنحها طبيعة أقرب إلى جبال الألب.

تجذب جبال "جيلو سات" محبي تسلق الجبال من داخل تركيا وخارجها، سواء لأغراض رياضية أو علمية، إذ تضم أنهارًا جليدية دائمة، وبحيرات مرتفعة، إضافة إلى تنوع كبير في الحياة البرية. كما توفر المنطقة إمكانيات واسعة لممارسة الرياضات الشتوية والأنشطة الخارجية المختلفة.

ويتميّز المنتزه بمسارات تسلق متعددة المستويات، تسمح للمتسلقين باختيار الطرق المناسبة وفقًا لخبراتهم ودرجات الصعوبة المختلفة، فضلًا عن الإطلالات الطبيعية الفريدة التي تمنح الزائر تجربة استثنائية وسط الجبال.

وتضم المنطقة قمة "راشكو" التي تُعد ثاني أعلى قمة في تركيا بارتفاع يبلغ 4168 مترًا، وتقع ضمن جبال "جيلو" الجليدية. وقد تشكّلت جبال هكاري ضمن النظام الجيولوجي نفسه الذي كوّن سلسلة الألب والهيمالايا، وهو ما يفسر الطبيعة الوعرة والحادة لجبال المنطقة التي تمثل الامتداد الشرقي لجبال طوروس الجنوبية الشرقية.

كنيسة كوتشانيس

تقع كنيسة "كوتشانيس" على حافة وادٍ عميق في قرية "كوناك" المعروفة تاريخيًا باسم "كوتشانيس"، على بعد نحو 18 كيلومترًا من مركز مدينة هكاري. وكانت الكنيسة تُعد المركز الديني والبطريركي للآشوريين لسنوات طويلة، قبل أن تصبح مهجورة عقب هجرة الآشوريين من المنطقة قبل نحو قرن.

ولا تزال الكنيسة تحتفظ بطابعها المعماري التاريخي، حيث توجد على واجهتها الغربية كتابة آشورية مكوّنة من ثمانية أسطر بالقرب من السطح، إضافة إلى ساعتين شمسيتين دائريتين؛ إحداهما أسفل النقش مباشرة، والأخرى في منتصف الواجهة تقريبًا.

مدرسة ميدان

تُعتبر مدرسة "ميدان" واحدة من أبرز المعالم العثمانية التاريخية في هكاري، وقد أُنشئت بين عامي 1700 و1701 وفقًا للنقوش الموجودة على بابها الرئيسي.

ويتكوّن المبنى من هيكل مستطيل يضم فناءً داخليًا وطابقين، وقد حافظت المدرسة إلى حد كبير على بنيتها الأصلية حتى اليوم، ما يجعلها من أهم النماذج المعمارية العثمانية الباقية في المنطقة.

هضبة بارتشلان

تُعد هضبة "بارتشلان" من أشهر الهضاب الطبيعية في هكاري، وتوفر بيئة مثالية لمحبي التزلج، وتسلق الجبال، والرحلات الطبيعية، فضلًا عن تنوعها النباتي اللافت.

وخلال فصل الصيف، ينتقل السكان المحليون إلى الهضبة لرعي مواشيهم والإقامة في الخيام السوداء التقليدية، في مشهد يعكس استمرار نمط الحياة الريفية القديمة في المنطقة.

تقع الهضبة على بعد 18 كيلومترًا شمال مركز مدينة هكاري، وتحيط بها بحيرات جليدية مثل بحيرة "سايتهان" وبحيرة "ليس"، ما يزيد من جمالها الطبيعي. كما تقع إلى الغرب منها هضبة "الجولان" المناسبة أيضًا لرياضات التزلج، خاصة مع وجود مركز مخصص لهذه الرياضة.

جسر النهر الحجري

يُعد جسر النهر الحجري من أبرز المعالم العثمانية في هكاري، ويقع فوق نهر "شمدينلي" على بعد أربعة كيلومترات من قرية "باغلار"، ونحو 13 كيلومترًا من مركز المدينة.

يربط الجسر منطقة "ديريجيك" بالحدود العراقية، وقد شُيّد داخل وادٍ عميق تحيط به الجبال المرتفعة، فيما ثُبتت أعمدته مباشرة على الصخور الطبيعية. ويُعتقد أن بناء الجسر يعود إلى بدايات القرن العشرين، ويبلغ ارتفاعه نحو 11 مترًا وطوله 21 مترًا.

نهر الزاب

يُعتبر نهر "الزاب" أحد أهم الرموز الطبيعية في هكاري، بل إن اسمه يرتبط مباشرة بالمدينة في الذاكرة المحلية. ويُعد النهر أكبر مجرى مائي في المحافظة، حيث يمر من شمالها إلى جنوبها قبل أن يصب في نهر دجلة جنوب مدينة الموصل العراقية.

ويُعرف النهر بسرعته الكبيرة وتياراته القوية، ما جعله وجهة مفضلة لعشاق الرياضات المائية والتجديف. ويوفر النهر مسارات طويلة تصل إلى 189 كيلومترًا، تناسب المبتدئين والمحترفين على حد سواء، خاصة الباحثين عن المغامرة ورفع مستوى الأدرينالين.

قلعة باي

تقع قلعة "باي" جنوب مدينة هكاري، على بعد نحو 7 إلى 8 كيلومترات من المركز، فوق تل صخري شديد الانحدار يرتفع 2025 مترًا عن سطح البحر.

وتشير القطع الفخارية المنتشرة حول القلعة إلى أن المنطقة شهدت استيطانًا بشريًا يعود إلى العصر الحديدي واستمر حتى نهاية العصور الوسطى. كما تُعد القلعة من الوجهات المفضلة لمحبي التسلق، إذ يمكن الوصول إليها من جهتي الشمال والجنوب.

مركز مارجابوتان للتزلج

تشتهر هكاري بكونها واحدة من أولى المدن التركية التي يبدأ فيها موسم التزلج، ومن آخر المناطق التي ينتهي فيها، بفضل الثلوج الكثيفة التي يصل ارتفاعها أحيانًا إلى أربعة أمتار.

ويقع مركز "مارجابوتان" للتزلج على ارتفاع 2700 متر فوق سطح البحر، وعلى بعد 12 كيلومترًا من مركز المدينة، ويستمر باستقبال الزوار حتى نهاية شهر أبريل.

ويضم المركز تلفريكًا بطول 1165 مترًا يتسع لأربعة مقاعد، إضافة إلى مصعد تزلج بطول 680 مترًا، وكافيتريا من ثلاثة طوابق، ومطعم من طابقين، فضلًا عن مشروع فندق أربع نجوم قيد الإنشاء بطاقة استيعابية تصل إلى 125 شخصًا.

اللوحات الصخرية

توجد اللوحات الصخرية في المناطق القريبة من قمة جبل "سيلو" على ارتفاع 4135 مترًا ضمن منطقة "يوكساك أوفا"، وتُعد من أكثر المواقع الأثرية غموضًا في هكاري.

وتتضمن هذه اللوحات رسومات لحيوانات وبشر وأشكال رمزية مختلفة، ولا تزال تخفي الكثير من الأسرار المتعلقة بهوية من نقشها والفترة الزمنية التي تعود إليها.

قصر كايمي

بُني قصر "كايمي" في قرية "شمدينلي باغلار" بين عامي 1909 و1911 وفقًا للنقوش الموجودة عليه، ويقع شمال مناطق الاستيطان القديمة في القرية.

وقد اكتملت أعمال ترميم القصر عام 2017، ليصبح من المعالم المهمة دينيًا وسياحيًا، خاصة أنه ارتبط باسم السيد طه الحكاري، أحد أبرز المتصوفة في العصر العثماني، والذي أقام فيه العديد من الأنشطة العلمية والدينية.

اللوحات التذكارية

تقع اللوحات التذكارية في حي "داغول" شمال غرب قلعة "تشولميريك" وسط مدينة هكاري، وتتكوّن من 13 مسلّة حجرية يُعتقد أن تاريخها يعود إلى نحو 2000 عام قبل الميلاد.

وتتميّز هذه الأحجار بنقوش بارزة لوجوه بشرية وحيوانات وآلات حربية، فيما تهيمن صور المحاربين العراة على معظم التكوينات الفنية. وحتى اليوم، لا تزال هوية الجهة التي صنعت هذه اللوحات لغزًا أثريًا مفتوحًا.

منازل تشوكورجا الحجرية

تُعد منازل "تشوكورجا" الحجرية، المعروفة أيضًا باسم "منازل القلعة"، من أبرز رموز العمارة التقليدية في المنطقة. وتتكون من 26 منزلًا حجريًا يعود تاريخها إلى نحو 400 عام.

وتتميّز هذه المنازل بهندستها المعمارية الأصيلة، وبموقعها الذي يمنحها مشهدًا بصريًا فريدًا، حيث تتداخل ظلالها مع طبيعة الجبال المحيطة، ما يضفي على منطقة "تشوكورجا" طابعًا تاريخيًا وسياحيًا مميزًا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!