
ياسين أقطاي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
نعود إلى السؤال الذي يتكرر عقب كل حلقة من حلقات الحرب التي بدأت بالهجوم الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران وتحولت إلى سلسلة متتابعة: من الذي انتصر؟ ومن الذي خسر؟
ونعود إلى هذا السؤال مرة أخرى بعد الحلقة الأخيرة التي بدأت بهجمات إيرانية وُصفت بالمفاجئة ضد إسرائيل، التي واصلت هجماتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار.
عند النظر إلى الأهداف المعلنة في بداية الحرب، لا يبدو الجواب صعباً إلى هذا الحد. ذلك أن نتائج الحروب لا تُقاس بمقدار الدمار الذي تُحدثه الأطراف، بل بمدى نجاحها في تحقيق الأهداف التي أعلنتها.
لقد دخلت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الحرب وقد أعلنتا أهدافهما بوضوح. كان المطلوب تدمير القدرات النووية الإيرانية، وشل البنية التحتية للصواريخ والطائرات المسيّرة، وتقويض النفوذ الإقليمي لإيران، وفتح الطريق في نهاية المطاف نحو تغيير النظام. أما بالنسبة لبنيامين نتنياهو، فكان هناك حلم أقدم من كل ذلك بكثير: تنفيذ استراتيجيته التي دافع عنها لأكثر من ثلاثين عاماً والقائمة على وضع إيران في مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأمريكية.
لكن عندما ننظر اليوم إلى ما حدث، نجد أمامنا صورة غريبة. لقد تلقت إيران ضربات قاسية؛ استُهدفت منشآتها العسكرية، وتضررت بنيتها التحتية، وواجه اقتصادها أعباء جديدة. ومع ذلك، لم يسقط النظام، ولم تتفكك الدولة، ولم يختفِ وزن إيران في المعادلة الإقليمية.
والأهم من ذلك أن التوقع الذي رددته وسائل الإعلام الغربية كثيراً في الأيام الأولى للحرب، والقائل إن «الشعب الإيراني سينتفض»، لم يتحقق. بل على العكس، أوجدت أجواء العدوان الخارجي قدراً غير متوقع من التضامن والانعكاس الوطني داخل المجتمع الإيراني. ويذكّرنا هذا الوضع بالمصير المشترك الذي واجهته جميع مشاريع تغيير الأنظمة عبر التدخلات الخارجية خلال العقدين الأخيرين. لم ينجح الأمر في العراق، ولا في سوريا، ولا في فنزويلا، ولم ينجح في إيران أيضاً.
لكن النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الحرب ظهرت في مكان آخر. فهناك حديث متزايد عن احتمال أن يكون الطرف الذي خرج في وضع أكثر صعوبة في نهاية هذه الحرب ليس إيران، بل إسرائيل.
قد يبدو هذا الادعاء مفاجئاً للوهلة الأولى. فالتفوق العسكري والتكنولوجي الأكبر كان بلا شك في صالح إسرائيل والولايات المتحدة. لكن الحروب الحديثة لم تعد مجرد حروب دبابات وطائرات وقنابل، بل أصبحت أيضاً حروباً على الشرعية والصورة والقدرة على الاستمرار.
خلال العامين الماضيين، انتهجت إسرائيل استراتيجية حرب آخذة في التوسع المستمر، من غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى الجبهة الإيرانية. غير أن المشكلة الكبرى في هذه الاستراتيجية هي أن الأهداف السياسية أصبحت أكثر غموضاً كلما اتسعت الحرب.
ففي غزة لم يتم القضاء على حركة حماس. وفي لبنان لم تتم تصفية حزب الله بالكامل. وفي إيران لم يتغير النظام. وفي المقابل، تعرضت شرعية إسرائيل الدولية لتآكل غير مسبوق في التاريخ.
إن الرواية الإسرائيلية التي كانت تُعدّ في السابق حقيقة لا تقبل النقاش في العالم الغربي، باتت اليوم تواجه تشكيكاً جدياً، لا سيما بين الأجيال الشابة. ففي الولايات المتحدة، بدأت الانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية تتحول من موقف هامشي إلى تيار رئيسي، في نطاق واسع يمتد من الجامعات إلى المؤسسات الإعلامية.
وفي الواقع، فإن هذا هو ما يكمن أيضاً خلف التوتر الأخير بين نتنياهو ودونالد ترامب.
فنتنياهو لا يزال يعتقد أن توسيع نطاق الحرب سيمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً. أما ترامب، فجدول أعماله مختلف تماماً. فهناك أزمة مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، والانتخابات النصفية المقبلة، وهشاشة الاقتصاد الأمريكي، والتعب المتزايد من الحروب داخل الرأي العام. وكل ذلك يدفع واشنطن إلى الابتعاد عن مغامرة حرب جديدة.
كما أن هذا التناقض هو ما يقف خلف السياسة المتذبذبة التي انتهجها ترامب خلال الأشهر الأخيرة. فمن جهة يشعر بأنه مضطر لدعم إسرائيل، ومن جهة أخرى لا يريد أن يُسحب خلف نتنياهو إلى حرب إقليمية مفتوحة النهاية. ولذلك فإن قراءة المشهد الحالي بوصفه مرحلة انتقالية تتأرجح بين الحرب والتفاوض تبدو أكثر دقة من اعتباره مجرد وقف لإطلاق النار.
في الحقيقة، فإن أهم نتائج ما يجري اليوم تتمثل في إعادة تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط. فقد أثبتت إيران، رغم كل نواقصها والتكاليف الباهظة التي تكبدتها، أنه لا يمكن إخراجها من المعادلة الإقليمية. كما أدركت إسرائيل أن التفوق العسكري لا يكفي دائماً لإنتاج نتائج سياسية. أما الولايات المتحدة، فقد بدأت تلاحظ أن صورة القوة المطلقة لم تعد مقنعة كما كانت في السابق.
وهذه الحرب هي أيضاً نذير عصر جديد. فلم يعد أي فاعل يمتلك بمفرده القدرة على تشكيل المنطقة. فالولايات المتحدة لم تعد هي الولايات المتحدة السابقة، وإسرائيل لم تعد إسرائيل السابقة، وإيران لم تعد إيران السابقة. ولذلك فإن السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت الحرب ستندلع من جديد أم لا.
السؤال الحقيقي هو: هل ستنتصر استراتيجية نتنياهو القائمة على الحرب الدائمة، أم ستنتصر سياسة التسويات المنضبطة التي باتت واشنطن تحتاج إليها أكثر فأكثر؟ إن المؤشرات الحالية تدل على أن الاحتمال الثاني يزداد قوة.
والحقيقة أن للحروب منطقها الخاص أيضاً. فعندما تتوقف الحرب عن تحقيق الأهداف المعلنة وتبدأ في جعل تحقيقها مستحيلاً، فإنها تكف عن كونها أداة استراتيجية وتتحول إلى نوع من الإدمان. ومن المعروف أن لدى إسرائيل مبررات ذات طابع لاهوتي وهوسي لهذا الإدمان، لكن حتى هذه المبررات لها حدود في عالم الواقع. قد تعتقد إسرائيل أنها تتقدم خطوة خطوة نحو تلك الأهداف اللاهوتية، لكنها في الحقيقة تندفع ركضاً نحو نهايتها هي. وأصبح هذا الأمر يبدو، في مواجهة الحقائق، كجدار أو هاوية آخذة في الظهور بوضوح.
إن سلسلة الحروب الممتدة من غزة إلى لبنان، ومن لبنان إلى إيران، لا تنتج لإسرائيل أمناً بقدر ما تجبرها باستمرار على فتح جبهات جديدة. ولهذا فإن الحقيقة الأكثر لفتاً للنظر في نهاية هذه الحرب ليست أن إيران بقيت صامدة، بل أن إسرائيل باتت مضطرة إلى مواجهة مشكلات لم يعد بإمكانها حلها عبر الحرب.
الإصرار على صناعة غنوشي من إمام أوغلو وتشريح حالة من العجز
لقد واصل أحمد طاشغتيران ذكر إمام أوغلو وراشد الغنوشي في الجملة نفسها. وهذا أمر لا يجوز البتة، بل إنه يجبرنا على فعل الشيء نفسه حتى ونحن نحاول رفضه. وليكن وزر ذلك في عنقه. وقد حاول، في الحقيقة، أن يُظهر أنه يعرف جيداً الفارق بينهما، بل وأنه سبق أن أشار إليه. أي إنه يفعل ذلك عن علم.
يقول إنه يعرف جيداً الفرق بين القضيتين، لكن التشابه الوحيد بينهما هو وجود جدل قضائي في كل منهما. بالله عليكم، ما هي القضية التي لا يوجد حولها جدل قضائي؟
وبهذا المنطق يمكن تشبيه جميع السياسيين المعارضين في العالم، وجميع القضايا التي يُحاكمون فيها، بعضهم ببعض. يمكننا إقامة موازاة بين القضايا المرفوعة ضد ترامب وبين الغنوشي. ويمكننا إقامة موازاة بين مارين لوبان والغنوشي. ويمكننا إقامة موازاة بين القضايا المرفوعة ضد نتنياهو والغنوشي. بل ويمكننا إقامة موازاة بين أي تحقيق يُفتح بحق أي رئيس بلدية وبين الغنوشي أيضاً.
لأن هناك عنصراً مشتركاً يمكن العثور عليه في كل هذه الحالات: القضاء. لكن علم السياسة لا يُمارس بهذه الطريقة. فالتحليل المقارن لا يعني انتزاع عنصر يبدو متشابهاً وتجاهل السياق التاريخي بأكمله، بل على العكس، يعني جعل السياق هو الأساس.
ففي السياق الذي أُدين فيه الغنوشي، لا يُسمح اليوم بأي نشاط سياسي، بل لا يمكن حتى الدفاع عن أي رأي مخالف. فهل يحمل هذا السياق أي معنى بالنسبة لطاشغتيران؟ هكذا تكون الأمور في الأماكن التي تُدار بالانقلابات. وليس كما هو الحال في تركيا.
ففي تركيا، ورغم القيادة القوية للرئيس رجب طيب أردوغان، ما يزال بالإمكان معارضته، ويستطيع أي شخص أن يقول ما يشاء ما دام لا يوجه إليه الإهانة، كما يمكنه التنظيم سياسياً لإسقاطه عبر الوسائل المشروعة، وهناك انتخابات قائمة. أما الذين يقارنون تركيا بدول تسود فيها سياسات شبيهة بقانون «تقرير السكون» الاستثنائي، فنقترح عليهم أن يتذكروا مرة أخرى الأيام التي كان فيها حزب إمام أوغلو يحكم البلاد منفرداً.
وأكتفي بأن أسأله عما إذا كانت المسؤولية الفكرية للمثقف المسلم، أو قيمة العدالة، أو مبدأ «العدل حتى مع من تبغضون»، ما تزال تعمل لديه كما كانت من قبل. مع أنني أقول أساساً إنني كنت ملتزماً بمبدئي القاضي بعدم التعليق على أي قضية أُحيلت إلى القضاء في تركيا، ولولا أنه هو نفسه أقام هذه الموازاة لما تحدثت في الموضوع أصلاً. وأنا لم أفعل شيئاً ينتهك هذا المبدأ.
لكنه يصر على الحديث عن الغنوشي، وفي الوقت نفسه يريد إدخال إمام أوغلو إلى الصورة. فما الذي يريد أن يفعله بذلك سوى محاولة تبرئة شخص قبل أن يُحاكم، رغم الشكاوى التي أعلنها بنفسهم موظفوه وأعضاء حزبه، ورغم وجود اتهامات بالفساد والرشوة واستغلال المنصب تفوح رائحتها بقوة؟
أما الغنوشي، فإن براءته أمر مسلّم به رغم محاكم الانقلاب. وحتى لو صدر بحقه حكم بالسجن لمليون سنة، فلن يؤدي ذلك إلا إلى أن نزداد له محبة وثقة ووقوفاً إلى جانبه. ألا يفهم طاشغتيران ذلك؟
إذا أراد أن يدافع عن إمام أوغلو فليفعل، ولا أقول شيئاً في ذلك. لكنني أقول له: لا تفعل ذلك عبر مقارنات فقدت كل معاييرها، ولا سيما من خلال استغلال قيمة مثل الغنوشي لتحقيق هذا الغرض.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











