
محمود أوفور - صباح - ترجمة و تحرير ترك برس
لقد تبنّت أوروبا لسنوات طويلة موقفا ينظر إلى تركيا من علٍ، وأبقاها تنتظر على الأبواب، وحوّلت مسار العضوية من قضية تقنية إلى ملف أيديولوجي وسياسي.
شكّكت في إرادة تركيا الإصلاحية، لكنها لم تشكّك أبداً في معاييرها المزدوجة. تحدّثت عن "الديمقراطية"، لكنها لم تفهم هواجس تركيا الأمنية في مكافحة الإرهاب. تحدّثت عن "القانون"، لكن الذي كان يحدّد قواعد المفاوضات لم يكن القانون بل السياسة، فوضعت العراقيل والعقبات. وتحدّثت عن "حقوق الإنسان"، لكنها عندما تعلّق الأمر بمصالحها الخاصة لم تُظهر الحساسية نفسها تجاه مناطق جغرافية أخرى، بل داست تلك القيم بالأقدام أحياناً.
ولهذا فإن أوروبا بحاجة أولاً إلى مواجهة نفسها.
وبالطبع فإن القيم العالمية مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون ذات أهمية كبيرة. لكن أوروبا نفسها، عندما يتعلّق الأمر بتركيا، حوّلت هذه القيم في كثير من الأحيان من أرضية لشراكة صادقة إلى أداة ضغط سياسي. كانت تلوّح بإصبعها باستمرار، لكنها لم تشعر بالحاجة إلى مساءلة العنصرية داخلها، ولا العداء للإسلام والمهاجرين، ولا سياستها الخارجية القائمة على المعايير المزدوجة.
وهنا تحديداً تبدأ مشكلة أوروبا.
يجب أن تتخلّى عن نبرة المعلّم
إذا أرادت أوروبا إقامة شراكة استراتيجية حقيقية مع تركيا، فعليها أولاً أن تضع جانباً تلك النبرة القديمة التي تتحدّث بها كالمعلّم. وعليها أن تكبح عادتها في إعطاء الدروس للعالم عند كل فرصة. لأن العالم اليوم لم يعد يُدار بالعبارات الجاهزة القديمة لأوروبا. فالعالم الجديد يتشكّل بالطاقة والإنتاج والأمن وسلاسل التوريد والصناعات الدفاعية والحقائق الجيوسياسية.
ولعل الأهم من ذلك أن على أوروبا أن تتوقّف عن النظر إلى تاريخ تركيا وهويتها وكونها مجتمعاً مسلماً باعتبار ذلك "مشكلة". فتركيا ليست تهديداً موجهاً إلى التكامل الثقافي لأوروبا، بل هي شريك استراتيجي يكمّل أمن أوروبا وقدرتها الإنتاجية وطرق الطاقة لديها وقدرتها التنافسية العالمية. وفي اليوم الذي تستوعب فيه أوروبا هذه الحقيقة، ستُفتح صفحة جديدة.
وعندما يأتي ذلك اليوم، لن تكون أوروبا قد كسبت تركيا فحسب، بل ستكون قد أعادت اكتشاف نفسها أيضاً. ويُعدّ دور تركيا داخل حلف شمال الأطلسي أوضح دليل على ذلك. فلا يمكن تصوّر الجناحين الجنوبي والشرقي للحلف من دون تركيا. وقد تكون قضايا أمن البحر الأسود، والتوازن في شرق البحر المتوسط، والأزمات في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب، وطرق الطاقة، وإدارة الهجرة، عناوين تقنية تُناقش في العواصم الأوروبية، لكن تركيا تقف في قلب هذه الملفات على أرض الواقع.
ولم تعد تركيا اليوم حاضرة على الطاولة بموقعها الجغرافي فحسب، بل أيضاً بقدرتها الإنتاجية الذاتية. ويُعدّ التحوّل في الصناعات الدفاعية رمزاً لذلك. فتركيا التي كانت في الأمس تطرق الأبواب للحصول على الأنظمة من الخارج، أصبحت اليوم، بطائراتها المسيّرة وطائراتها المسيّرة المسلحة ومنصاتها البحرية وتقنيات الصواريخ وأنظمتها البرية، واحدة من أبرز الفاعلين المنتجين الذين لا غنى عنهم في البنية الأمنية لحلف شمال الأطلسي. وهذه ليست مجرد نجاحات عسكرية، بل هي تعبير عن إرادة الاستقلال الاستراتيجي.
إذا أرادت أن تصبح قوة عظمى
ينبغي على أوروبا أن تقرأ هذه الحقيقة قراءة صحيحة. فإذا كانت تريد أن تصبح من جديد قوة عظمى عالمية في القرن الحادي والعشرين، فلن تتمكن من تحقيق ذلك بإبقاء تركيا خارج المعادلة. فأبسط مثال على ذلك أن أوروبا البعيدة عن جغرافيات الأزمات تجد صعوبة في أن تؤسس بمفردها ثقلاً استراتيجياً دائماً في مواجهة الولايات المتحدة والصين وروسيا.
أما أوروبا التي تفكّر مع تركيا، وتنتج مع تركيا، وتدافع مع تركيا، وتتحرّك مع تركيا، فإنها تتحوّل إلى قوة مختلفة تماماً. لأن تركيا ليست مجرد بوابة أوروبا إلى آسيا، بل هي أيضاً المذكرّة بالحدس الاستراتيجي الذي فقدته أوروبا.
فالتاريخ يضع أحياناً أمام الأمم فرصاً كبرى. ولم تعد تركيا اليوم دولة تنتظر على أبواب أوروبا. بل أصبحت قوة مهمة ستُكمل مستقبل أوروبا. وإذا أدركت أوروبا ذلك، فإنها قد تدخل مع تركيا طريق التحوّل من جديد إلى قوة عظمى عالمية. أما إذا لم تدركه، فإنها ستبقى قوة غنية داخل قارتها لكنها محدودة التأثير، ومتقدمة تكنولوجياً لكنها ضعيفة دفاعياً، وتمتلك مؤسسات كثيرة لكنها تفتقر إلى الإرادة الاستراتيجية.
إن مستقبل أوروبا يبقى ناقصاً من دون تركيا. أما معها، فلا يمكن لأوروبا أن تصبح أكثر قوة فحسب، بل يمكنها أن تتحول إلى قوة عظمى بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













