ترك برس

في قلب الأناضول الوسطى، حيث تتلاقى طبقات التاريخ وتتداخل الحضارات، تبرز مدينة موجور تحت الأرض (Mucur Yeraltı Şehri) كواحدة من أبرز المعالم الأثرية التي تكشف عن قدرة الإنسان على التكيف مع التحديات والتهديدات عبر العصور. 

تقع هذه المدينة في مركز قضاء موجور التابع لولاية قرشهير التركية، على بعد نحو عشرين كيلومتراً من مركز الولاية، وعلى الطريق الرابط بين أنقرة وقيصري. و

قد سُجلت المدينة رسمياً موقعاً أثرياً من الدرجة الأولى الواجب حمايته بموجب قرار مجلس حماية الممتلكات الثقافية والطبيعية في قيصري بتاريخ 22 تموز/يوليو 1989 رقم 457، وهي تابعة لمديرية الثقافة والسياحة وترتبط بمتحف قرشهير.

إن زيارة هذا المكان ليست مجرد جولة سياحية، بل رحلة إلى أعماق التاريخ المسيحي المبكر والعصر البيزنطي، حيث تحولت الصخور البركانية الطوفية الناعمة إلى ملاذ آمن يضم غرفاً وممرات ونظاماً دفاعياً محكماً.

يُعتقد أن مثل هذه المدن تحت الأرض شُيدت في فترة المسيحية المبكرة (القرنان الثالث والرابع الميلاديان) بهدف حماية المسيحيين من اضطهاد الأباطرة الوثنيين، كما استُخدمت في الفترة البيزنطية الوسطى (القرنان الثامن والتاسع) للوقاية من الغارات العربية. 

نُحتت المدينة في تربة بركانية طوفية، وتتكون أساساً من طابقين (مع إشارات في بعض الدراسات إلى أجزاء تصل إلى ثلاثة مستويات أو أكثر في بعض الأقسام)، وتضم غرفاً وقاعات متصلة بممرات ضيقة، مع نظام تهوية يعتمد على المداخن التي تفتح إلى سطح الأرض. 

يصل عمق الأجزاء المعروفة إلى نحو سبعة أو ثمانية أمتار، ويشكل الجزء المفتوح للزوار حالياً مجرد جزء صغير من مستوطنة تحت أرضية أكبر بكثير تمتد تحت مركز موجور، ويُقدَّر أنها قد تصل شمالاً نحو ضريح عاشق باشا في قرشهير.

تضم المدينة اليوم اثنين وأربعين غرفة مفتوحة للزيارة، وتتميز كل غرفة تقريباً بوجود جرار كبيرة للأغذية والماء مدفونة في الأرض، بالإضافة إلى آبار مياه ومنافذ (نيشات) في الجدران. وتبرز إحدى الغرف ذات المخطط الدائري بفضل كثرة المنافذ فيها، مما يعزز احتمال استخدامها مكاناً صغيراً للعبادة. 

أما الممرات التي تربط بين الغرف والقاعات فتميزت بتصميمها الضيق والمنخفض (يبلغ ارتفاعها تقريباً متراً ونصفاً وعرضها بين نصف متر ومتر واحد)، وهو تصميم يهدف على الأرجح إلى إعاقة أي هجوم محتمل وإجبار المهاجمين على التقدم ببطء وبانحناء. 

ومن العناصر الدفاعية البارزة أيضاً الحجارة الدائرية الكبيرة الحجم التي كانت تُستخدم لإغلاق مداخل الممرات والممرات الرئيسية والأقسام الخاصة، مما يحول المكان إلى حصن منيع عند الحاجة.

ويكتمل النظام الهندسي الذكي بوجود مداخن التهوية، حيث تبقى خمسة منها مفتوحة حتى اليوم، وهي قنوات هوائية تفتح إلى سطح الأرض لتزويد المكان بالأوكسجين اللازم للحياة تحت الأرض. 

اكتُشفت المدينة صدفة في سبعينيات القرن العشرين (حوالي 1974 حسب بعض المصادر) أثناء أعمال بناء، ثم أُجريت أعمال تنظيف وترتيب للمدخل في عام 1988 من قبل بلدية قرشهير، وفي عام 1991 صادرت وزارة الثقافة مساحة نحو 4795 متراً مربعاً فوقها لحمايتها. 

ومنذ 24 نيسان/أبريل 2024 أُغلقت المدينة أمام الزوار بسبب أعمال التقوية والترميم الجارية، وذلك حتى اكتمالها، حفاظاً على سلامتها من مخاطر الانهيار الناتجة عن الرطوبة والتسربات ومشاكل الكهرباء.

تُعد مدينة موجور تحت الأرض جزءاً من شبكة أوسع من المدن والملاجئ تحت الأرض في منطقة كابادوكيا والأناضول الوسطى، وتعكس عبقرية الإنسان في استخدام الطبيعة المحيطة لبناء فضاءات آمنة ومستدامة للحياة والعبادة والتخزين. 

إنها ليست مجرد أنفاق وغرف، بل شهادة حية على فترات الاضطهاد والحروب والمرونة البشرية، وتدعو الزائر إلى التأمل في عمق التاريخ الذي ما زال مدفوناً تحت أقدامنا، في انتظار أن تُكشف المزيد من أسراره مع استمرار أعمال الترميم والحفاظ.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!