
ترك برس
على شبه جزيرة ضيقة تمتد نحو مياه البحر المتوسط الفيروزية، تقع مدينة سيدا الأثرية كواحدة من أجمل وأهم الموانئ القديمة في منطقة بامفيليا. تبعد المدينة نحو سبعة كيلومترات جنوب غرب قضاء ماناوغات بولاية أنطاليا التركية، وتمتد على عرض يتراوح بين 350 و400 متر.
واسمها في اللغة اللووية يعني «الرمان»، رمزاً للخصوبة والازدهار الذي عرفته عبر العصور. هنا، حيث يلتقي التاريخ بالطبيعة الساحلية الخلابة، يروي كل حجر قصة حضارات تعاقبت على هذه الأرض منذ أكثر من 27 قرناً، لتبقى سيدا شاهداً حياً على عظمة الموانئ المتوسطية القديمة.
تأسست سيدا كمركز استيطاني في القرن السابع قبل الميلاد. وفي القرن السادس قبل الميلاد دخلت تحت سيطرة مملكة ليديا مع بقية بامفيليا، ثم آلت إلى الفرس بعد سقوط ليديا عام 547-546 قبل الميلاد. حافظت المدينة خلال تلك الفترة على قدر من استقلالها، وسكّت عملتها الخاصة. وعندما وصل الإسكندر الأكبر إلى الأناضول عام 334 قبل الميلاد، فتحت سيدا أبوابها دون مقاومة، وأصبحت لاحقاً أحد مراكز سك العملة المهمة في إمبراطوريته. بعد وفاته، تداولت عليها الممالك الهلنستية، فخضعت للبطالمة ثم للسلوقيين، قبل أن تُمنح لمملكة بيرغامون بموجب صلح أباميا عام 188 قبل الميلاد. لكن سرعان ما استعادت استقلالها وعاشت إحدى أزهى فتراتها.
وفي القرن الأول قبل الميلاد، تحولت سيدا إلى مركز ثقافي بارز في شرق المتوسط، حتى إن الملك السلوقي أنطيوخوس السابع، الذي لُقب لاحقاً بـ«سيديتس»، قضى شبابه فيها لتلقي العلم. غير أن هذه الفترة الذهبية لم تدم طويلاً، إذ اجتاحها القراصنة القادمون من بيسيديا وكيليكيا الجبلية، فافتُتحت موانئها وأسواقها أمامهم. وفي عام 78 قبل الميلاد، نجح القنصل الروماني بوبليوس سيرفيليوس في تطهير المنطقة من القراصنة، فانضمت سيدا إلى الإمبراطورية الرومانية مع باقي مدن بامفيليا. ومنذ عام 25 قبل الميلاد أصبحت المدينة جزءاً من إقليم يديره موظف تابع مباشرة للإمبراطور أغسطس.
عاشت سيدا عصراً مزدهراً في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ثم تحولت في القرن الرابع إلى مدينة مسيحية فقيرة نسبياً. وفي القرنين الخامس والسادس استعادت بريقها وأصبحت عاصمة متروبوليتية لشرق بامفيليا. غير أن الغزوات العربية في القرنين التاسع والعاشر أضعفتها بشدة، حتى وصفها الإمبراطور البيزنطي قسطنطين بورفيروجينيتوس بـ«وكر القراصنة»، بينما أطلق عليها الجغرافي العربي الإدريسي اسم «أنطاليا المحروقة»، مشيراً إلى أن سكانها انتقلوا إلى «أنطاليا الجديدة». وفي مطلع القرن العشرين، أسس مهاجرون كريتيون قرية سليميه فوق أنقاض المدينة القديمة.
تمتد سيدا على طول شارع رئيسي ضخم يبدأ من «البوابة الكبرى» في الشمال الشرقي، ويسير في خط شبه مستقيم حتى الساحة الكبرى قرب المعابد، مع انحناء خفيف أمام المسرح. ويوجد شارع رئيسي ثانٍ يتجه جنوباً. وكلا الشارعين كانا مرصوفين ومزينين بأعمدة كورنثية وأروقة تجارية. وتضم المدينة اليوم بقايا المسرح القديم، والنوافير، وقنوات المياه، والمستشفى، والحمامات، والمعابد، وغيرها من المنشآت.
ومن أبرز معالمها معبد أبولو الذي يقع عند مدخل الميناء القديم، إلى جانب معبد أثينا المجاور له، وقد بُنيا في فترة «السلام الروماني» تكريماً للإله والإلهة الرئيسيين للمدينة. أما المسرح الأثري، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، فيُعد أجمل منشآت سيدي. وهو يجمع بين التخطيط الهلنستي والتقنية الرومانية، ويتميز بأن جزءاً من مدرجاته بُني فوق منحدر صناعي مدعوم بالأقواس والعقود، مما يجعله المثال الوحيد من نوعه في الأناضول. ويتسع لآلاف المتفرجين، وتزين واجهة مسرحه الثلاثية الطوابق زخارف باروكية من عصر الأنطونيين، بما في ذلك إفريز ديونيسوس الذي يروي حياة إله الخمر والمسرح.
يضم متحف سيدي، المقام داخل حمام أغورا الروماني القديم، مجموعة غنية من القطع الهلنستية والرومانية والبيزنطية المستخرجة من الحفريات التي بدأت عام 1947. وفي السنوات الأخيرة، شهد الموقع مشاريع ترميم وإضاءة ضمن مبادرة «تراث للمستقبل»، فأصبح يمكن زيارته ليلاً أيضاً، مما يعزز مكانته كنموذج للسياحة المستدامة التي تجمع بين الحفاظ على التراث وتجربة الزائر العصرية.
هكذا تبقى مدينة سيدا الأثرية وجهة لا تُنسى، حيث يلتقي عبق التاريخ بجمال البحر، وتُروى على صخورها قصص الإسكندر والرومان والبيزنطيين، لتستمر شاهداً خالداً على عظمة حضارات المتوسط.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











