ترك برس

أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الأزمة التي طالت عددا من صناديق الاستثمار في البلاد لا تمثل خطرا على النظام المالي أو الاقتصاد التركي، في أول تعليق له على القضية التي دفعت السلطات إلى تصفية 131 صندوقا استثماريا وفتحت الباب أمام تحقيقات قضائية وإجراءات رقابية واسعة.

وقال أردوغان، في تصريحات أدلى بها للصحفيين الأتراك في نيويورك ونُشرت الخميس، إن المشكلة تتركز في نطاق محدود من أسواق رأس المال وفي عدد معين من الصناديق، معتبرا أن التعامل معها باعتبارها أزمة تشمل السوق التركية بأكملها يعطي صورة غير دقيقة عن وضع البورصة والنظام المالي.

وأضاف أن القضاء فتح تحقيقا شاملا في القضية وأن التحقيقات أسفرت عن توقيفات واعتقالات، مؤكدا أن كل من تثبت مسؤوليته سيحاسب أمام القانون. كما تعهد باتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لمنع ظهور مشكلة مماثلة مستقبلا.

وتأتي تصريحات الرئيس التركي بعد أيام من واحدة من أكبر عمليات التدخل التنظيمي في قطاع صناديق الاستثمار في تركيا، إذ قرر مجلس أسواق رأس المال التركي في 17 سبتمبر/أيلول تصفية 131 صندوقا تديرها 7 شركات لإدارة المحافظ، بحسب ما نقله تقرير لـ "الجزيرة نت".

وبحسب البيانات الرسمية للمجلس، يبلغ عدد المستثمرين الأفراد في الصناديق المشمولة بالقرار 455 ألفا و758 مستثمرا، استنادا إلى سجلات مؤسسة الإيداع المركزي، وهو ما جعل مسار التصفية وآلية استرداد الأموال من أبرز القضايا التي تشغل المستثمرين في السوق خلال الأيام الأخيرة.

ماذا حدث في السوق؟

بدأت الأزمة تظهر بصورة أكبر مع تصاعد الضغوط على صناديق تمتلك حصصا كبيرة في أسهم منخفضة السيولة ومحدودة التداول، في وقت حاول فيه عدد متزايد من المستثمرين سحب أموالهم.

وبحسب رويترز، تراجع مؤشر "بيست 100" الرئيسي في بورصة إسطنبول بأكثر من 8% خلال الأسبوع الذي شهد تفجر الأزمة، في أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس/آذار 2025. وأشارت الوكالة إلى أن بعض الصناديق اضطرت إلى بيع أصول أكثر سيولة لتوفير الأموال اللازمة لتلبية طلبات الاسترداد، مما أسهم في زيادة الضغوط على السوق واتساع موجة البيع.

ولم تبدأ مخاوف الجهات الرقابية في سبتمبر/أيلول فقط. فقد أعلن مجلس أسواق رأس المال أنه رصد منذ الربع الأخير من عام 2025 تحركات غير معتادة في أسعار بعض الأسهم ذات نسب التداول الحر المنخفضة، مرتبطة باستثمارات نفذتها صناديق تابعة لبعض شركات إدارة المحافظ.

وقال المجلس إن بعض التحركات السعرية لم يكن من الممكن تفسيرها استنادا إلى الواقع الاقتصادي أو المؤشرات المالية الأساسية للشركات، وإن القضية طُرحت بالفعل أمام لجنة الاستقرار المالي في ديسمبر/كانون الأول 2025، قبل إدخال تعديلات تنظيمية لاحقة على قواعد عمل الصناديق.

6 أشهر لإنهاء التصفية

وفي محاولة لتجنب اضطرار الجهات المسؤولة إلى بيع أصول الصناديق بسرعة وفي ظروف سوقية غير مواتية، مدد مجلس أسواق رأس المال المهلة المخصصة للتصفية من 3 أشهر إلى 6 أشهر.

وأوضح المجلس أن التمديد يهدف إلى إتاحة الفرصة لبيع أصول الصناديق في ظروف أكثر ملاءمة مع الأخذ في الاعتبار طبيعة المحافظ وظروف السوق، مشددا على أن تحديد مهلة بـ6 أشهر لا يعني أن عملية التصفية ستستغرق هذه المدة كاملة، إذ يمكن إنهاؤها في وقت أقصر إذا سمحت الظروف.

ولا يعني قرار التصفية بحد ذاته أن المستثمرين سيستعيدون كامل القيمة التي كانت تظهر في حساباتهم قبل الأزمة. فالمبلغ النهائي الذي يحصل عليه كل مستثمر سيعتمد على حصيلة بيع الأصول الموجودة داخل الصندوق والأسعار التي يمكن تحقيقها أثناء عملية التصفية.

ولهذا انتقل التركيز الحكومي خلال الأيام الأخيرة من احتواء اضطرابات السوق إلى آلية إدارة التصفية وحماية حقوق المستثمرين. ومن المقرر أن تناقش اجتماعات برئاسة وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك الجوانب الفنية لعمليات التصفية والدفع، إلى جانب التنسيق بين المؤسسات المعنية والإجراءات الممكن اتخاذها لدعم الاستقرار المالي.

إجراءات لاحتواء التداعيات

واتخذت السلطات التركية مجموعة من الإجراءات بالتزامن مع الأزمة، شملت توفير سيولة إضافية في الأسواق وتخفيف بعض القيود المتعلقة بالتداول بالهامش، إضافة إلى تقديم شكاوى جنائية مرتبطة بشبهات التلاعب في بعض الأسهم.

وبحسب رويترز، تحركت لجنة الاستقرار المالي والبنك المركزي ومجلس أسواق رأس المال بصورة متزامنة لاحتواء التداعيات، في حين بدأت بورصة إسطنبول أيضا إجراء تعديلات واسعة على مكونات مؤشر "بيست 100".

وتتفق تصريحات أردوغان بشأن محدودية الأزمة مع تقييمات نقلتها رويترز عن محللين ماليين رأوا أن الاضطرابات الحالية يمكن احتواؤها ولا تمثل في حد ذاتها أزمة شاملة للنظام المالي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أنها كشفت عن مشكلات مرتبطة بسيولة بعض الأسهم وتركيز استثمارات بعض الصناديق.

وبينما تسعى الحكومة إلى طمأنة الأسواق بأن القضية محصورة في عدد من الصناديق ولا تمتد إلى الاقتصاد التركي بأكمله، يبقى الملف الأكثر أهمية بالنسبة إلى مئات آلاف المستثمرين هو مسار بيع أصول الصناديق خلال الأشهر المقبلة، والقيمة التي سيتمكنون في النهاية من استردادها.

أما على المستوى التنظيمي، فتشير تصريحات أردوغان وتحركات مجلس أسواق رأس المال إلى أن الأزمة لن تنتهي بمجرد تصفية الصناديق، إذ تتجه السلطات أيضا إلى مراجعة القواعد الرقابية واتخاذ تدابير إضافية لمنع تكرار الظروف التي أدت إلى الاضطرابات الأخيرة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!