ترك برس

أمرت محكمة تركية بحبس رئيس لجنة الحكام المركزية في الاتحاد التركي لكرة القدم، فرحات غوندوغدو، و4 أشخاص آخرين احتياطيًا، في إطار تحقيق واسع يتعلق بمزاعم التلاعب بآليات تصنيف الحكام وتعيينهم وتقييمهم، في أحدث قضية تضرب منظومة التحكيم التركية بعد أقل من عام على فضيحة المراهنات التي طالت عشرات الحكام.

وكان غوندوغدو و6 مشتبه بهم آخرين قد أوقفوا في عملية أمنية نُفذت بالتزامن في إسطنبول وأنقرة وإلازيغ ومانيسا، ضمن القضية التي تعرف في تركيا باسم «ملف الحكام – Hakemler Dosyası». وبعد انتهاء إجراءات التحقيق، قررت المحكمة في 3 أكتوبر/تشرين الأول حبس 5 منهم احتياطيًا، بينما أخضعت اثنين آخرين لإجراءات رقابة قضائية.

ولا يعني الحبس الاحتياطي صدور إدانة بحق المتهمين، إذ لا تزال القضية في مرحلة التحقيق القضائي، فيما ينفي دفاع غوندوغدو ارتكابه المخالفات المنسوبة إليه ويتمسك ببراءته.

ما الذي يحقق فيه القضاء؟

بحسب النيابة العامة في إسطنبول، يتركز التحقيق على مزاعم تشمل جرائم مثل تزوير مستندات رسمية، إساءة استعمال الأمانة، الحصول على بيانات شخصية بصورة غير قانونية، وممارسات وصفت في الملف بسوء المعاملة أو الضغط على العاملين في منظومة التحكيم.

وقال وزير العدل التركي أكين غورليك إن التحقيق يدرس بشكل خاص ادعاءات بوجود تدخلات في:

تصنيف الحكام ضمن الدرجات المختلفة، وتقييم أدائهم، وتكليفهم بالمباريات، وترقياتهم، وعمليات منح النقاط، إضافة إلى اختبارات قوانين كرة القدم التي تؤثر نتائجها في المسار المهني للحكام.

وأكد غورليك أن السلطات تعتمد في التحقيق على إفادات المشتكين والشهود وتقارير الخبراء وبيانات الاتصالات والسجلات المالية.

وتكمن حساسية هذه المزاعم في أن تلك الإجراءات تحدد عمليًا من يمكنه الصعود إلى درجات تحكيم أعلى، ومن يدير مباريات أكثر أهمية، ومن يتراجع أو يخرج من قوائم الحكام.

لماذا تعد لجنة الحكام بهذه الأهمية؟

تُعد لجنة الحكام المركزية – Merkez Hakem Kurulu (MHK) واحدة من أهم الهيئات التابعة للاتحاد التركي لكرة القدم، إذ تتولى إدارة منظومة التحكيم والإشراف على تصنيف الحكام وتقييمهم وتعيينهم وإعدادهم للمباريات.

وبالتالي فإن التحقيق لا يتعلق بقرار تحكيمي مثير للجدل داخل مباراة واحدة، بل يمس الآلية الإدارية التي تحدد مستقبل مئات الحكام وتوزيعهم على مسابقات كرة القدم التركية.

ولهذا أعادت القضية إلى الواجهة نقاشًا قديمًا في تركيا بشأن شفافية اختيار الحكام وتعييناتهم، وهي ملفات لطالما كانت محور جدل بين الأندية والجماهير والاتحاد، خصوصًا في الدوري الممتاز.

من الأشخاص الذين شملتهم العملية؟

إضافة إلى غوندوغدو، شملت عملية التوقيف عددًا من المسؤولين الحاليين والسابقين داخل هيئات التحكيم التركية، من بينهم رئيس جمعية الحكام النشطين فرْدي كارادوروك، والنائب السابق لرئيس لجنة الحكام أحمد شاهين، والعضو السابق في اللجنة يونس يلدريم، ومسؤولون في مجالات التدريب والتحكيم المحلية.

ويحقق القضاء في طبيعة العلاقة بين هؤلاء الأشخاص والقرارات المتعلقة بتصنيف وتقييم الحكام، وفيما إذا كانت هناك تدخلات ممنهجة في بعض الإجراءات الرسمية.

استقالة غوندوغدو بعد قرار توقيفه

وبعد ساعات من قرار حبسه احتياطيًا، أعلن محامو فرحات غوندوغدو، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، أنه قدم استقالته من رئاسة لجنة الحكام المركزية اعتبارًا من اليوم السابق.

وقال الدفاع إن المحكمة رفضت طلب توقيفه فيما يتعلق باتهامات إساءة استخدام المنصب والتهديد، لكنها قررت حبسه احتياطيًا على خلفية اتهام يتعلق بتسجيل بيانات شخصية.

وأوضح محاموه أن الاستقالة جاءت بهدف عدم إلحاق الضرر بالاتحاد التركي لكرة القدم خلال استمرار الإجراءات القضائية، مؤكدين في الوقت ذاته تمسكهم ببراءته.

القضية تأتي بعد فضيحة المراهنات

وتتضاعف أهمية التحقيق الحالي لأنه يأتي بعد أشهر فقط من إحدى أكبر الأزمات التأديبية التي شهدتها منظومة التحكيم التركية.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، فتح الاتحاد التركي لكرة القدم تحقيقًا بشأن مشاركة حكام في رهانات مرتبطة بكرة القدم، استنادًا إلى بيانات رسمية حصل عليها من هيئة تنظيم المراهنات التركية.

وبعد إحالة 152 حكمًا إلى مجلس الانضباط، فرض الاتحاد عقوبات بالحرمان من النشاط تراوحت بين 8 و12 شهرًا على 149 حكمًا، فيما استمر التحقيق بشأن ثلاثة آخرين في تلك المرحلة. وأدت العقوبات عمليًا إلى انتهاء مسيرة عدد كبير منهم في التحكيم.

ولم يتوقف التحقيق عند تلك المجموعة؛ فقد أعلن الاتحاد لاحقًا عن ملفات إضافية شملت حكامًا ولاعبين في مختلف درجات كرة القدم التركية، ما كشف عن حجم أوسع بكثير لأزمة المراهنات داخل الوسط الكروي.

ملفان مختلفان لكنهما يضربان المنظومة نفسها

ولا توجد حتى الآن معلومات تثبت أن التحقيق الحالي في «ملف الحكام» جزء مباشر من قضية المراهنات السابقة؛ فالقضيتان تتناولان اتهامات مختلفة.

فالملف السابق تمحور بصورة أساسية حول مشاركة حكام في أنشطة مراهنات، بينما يتعلق الملف الحالي بمزاعم التلاعب بالإجراءات الداخلية لإدارة وتقييم وترقية وتعيين الحكام.

لكن تتابع القضيتين خلال فترة زمنية قصيرة أدى إلى زيادة الضغوط على الاتحاد التركي لكرة القدم، وأعاد التساؤلات حول آليات الرقابة والشفافية داخل منظومة التحكيم.

الاتحاد يسلم وثائق التحقيق

من جهته أعلن الاتحاد التركي لكرة القدم تعاونه مع السلطات القضائية، مؤكدًا أنه سلم المستندات المطلوبة منه إلى النيابة العامة في إسطنبول داخل مظاريف مغلقة، مع طلب إخضاعها لفحوص الطب الشرعي، بما في ذلك البحث عن البصمات وآثار الحمض النووي عند الحاجة.

وطالب الاتحاد الرأي العام بالاعتماد على البيانات الصادرة عن الجهات المختصة وعدم استباق نتائج التحقيق القضائي.

أما وزير العدل أكين غورليك فقال إن الدولة ستواصل ما وصفه بـ**«مكافحة كرة القدم النظيفة»**، معتبرًا أن عدالة المنافسة وحياد وشفافية عملية التحكيم تشكل أساس ثقة الجماهير بكرة القدم.

ومع انتقال التحقيق من مرحلة التوقيف إلى الحبس الاحتياطي واستقالة رئيس لجنة الحكام، تدخل كرة القدم التركية مرحلة جديدة من أزمة التحكيم، فيما ستحدد نتائج التحقيق والمحاكمات المقبلة ما إذا كانت القضية تتعلق بتجاوزات فردية أم بممارسات أوسع داخل النظام الإداري للتحكيم.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!