ترك برس

في قلب مدينة دمرة التابعة لولاية أنطاليا جنوبي تركيا، تقف كنيسة القديس نيقولاوس شاهدة على قرون من التاريخ الديني والحضاري، حاملة بين جدرانها آثار الحقبة البيزنطية وحكايات الحج والتجارة والتحولات التي شهدتها منطقة ليقيا على ساحل البحر المتوسط. ويكتسب هذا المعلم التاريخي أهمية خاصة لارتباطه بالقديس نيقولاوس، المعروف عالميا باسم "بابا نويل"، والذي تحوّل اسمه عبر العصور إلى أحد أبرز الرموز المرتبطة بأعياد الميلاد في ثقافات عديدة.

وتعد الكنيسة، التي تُعرف اليوم باسم متحف القديس نيقولاوس التذكاري، من أبرز الوجهات الثقافية والدينية في أنطاليا، إذ تجمع بين القيمة المعمارية والفنية للعمارة البيزنطية، والأهمية التاريخية لموقعها في مدينة ميرا القديمة، التي كانت إحدى أهم مدن إقليم ليقيا ومراكزها الدينية والتجارية.

وتشير وزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن القديس نيقولاوس وُلد في باتارا، وتولى منصب أسقف مدينة ميرا، حيث قضى حياته وتوفي، فيما شُيّدت الكنيسة تخليدا لذكراه، وأصبحت مع مرور الزمن مقصدا للحجاج المسيحيين.

وتعود الجذور التاريخية للمعلم إلى القرن السادس الميلادي، حين كانت ميرا قد أصبحت مركزا رئيسيا في إقليم ليقيا خلال عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الثاني (408-450). وتشير المصادر التاريخية إلى وجود مبنى تذكاري مرتبط بالقديس نيقولاوس في المدينة خلال تلك الفترة.

وبعد زلزال كبير ضرب المنطقة عام 529، أمر الإمبراطور جستنيان الأول (527-565) بترميم المبنى، فيما يُرجح، استنادا إلى المعطيات التاريخية والمعمارية، أن الكنيسة الأولى شُيّدت على هيئة بازيليكا في القرن السادس.

ولم تحتفظ الكنيسة بشكلها الأول، إذ تعرضت لأضرار خلال القرن الثامن، إما بفعل الزلازل أو الهجمات القادمة من الجنوب، قبل أن يعاد بناؤها خلال القرنين التاسع أو العاشر وفق مخطط بازيليكي ذي قبة، لتدخل بعد ذلك مراحل متعددة من الترميم والتوسعة.

وفي القرن الحادي عشر، زُيّنت جدران الرواق الداخلي بلوحات جدارية تعكس خصائص فن التصوير البيزنطي في تلك الحقبة، وتتضمن مشاهد لمجامع كنسية كانت تُعقد بمشاركة الأباطرة والأساقفة لاتخاذ القرارات الدينية.

ومن أبرز محطات تاريخ الكنيسة أعمال الترميم التي أمر بها الإمبراطور قسطنطين التاسع مونوماخوس (1042-1055) وزوجته زوي. وتوثق كتابة حجرية مؤرخة في الأول من سبتمبر/أيلول 1042 أعمال التجديد التي أُجريت في ميرا برعاية الإمبراطور وزوجته.

وخلال العصور الوسطى، اكتسبت الكنيسة مكانة بارزة لدى المسيحيين، إذ كانت ميرا محطة يقصدها الحجاج المتوجهون بحرا إلى القدس، كما أصبحت ضريح القديس نيقولاوس وجهة للحجاج القادمين من مناطق مختلفة.

غير أن عام 1087 شهد حدثا مفصليا في تاريخ الموقع، عندما وصل تجار من مدينة باري الإيطالية إلى ميرا خلال رحلتهم البحرية نحو القدس، وأقدموا على فتح ضريح القديس نيقولاوس ونقل عظامه إلى إيطاليا. وتُحفظ الآثار المقدسة المنقولة اليوم في كنيسة سان نيكولا بمدينة باري، التي شُيّدت تكريما للقديس.

وتحتفظ الكنيسة في دمرة، رغم ذلك، بكنوز فنية ومعمارية تعكس مكانتها التاريخية؛ ففي غرفة الدفن الواقعة جنوب المبنى، توجد لوحات جدارية تعود إلى القرن الثاني عشر، تجسد مشاهد من حياة القديس نيقولاوس، وتُعد نموذجا فريدا من نوعه في تركيا لما يُعرف بدورة حياة القديس.

كما تضم قبة غرفة إعداد مستلزمات القداس، الواقعة في الجهة الشمالية الشرقية، مشهدا دينيا يعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر، يصور المسيح وهو يقدم الخبز والنبيذ إلى تلاميذه، فيما تحتوي إحدى المصليات الجنوبية على مشهد "دييسيس" البيزنطي الذي يعود إلى القرن الثالث عشر.

وتبرز كذلك الأرضيات الرخامية المزخرفة بتقنية "أوبوس سيكتيله"، التي تعتمد على تركيب قطع الرخام الملونة لتشكيل لوحات وزخارف دقيقة، فضلا عن المباني الملحقة في الجهة الشمالية، ومنها مبنى الأسقفية، التي يرجح أن تكون قد شُيّدت خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر.

ولم تسلم الكنيسة والمدينة المحيطة بها من التحولات الطبيعية؛ ففي أواخر القرن الثاني عشر، أدى تغير مجرى نهر ميروس، المعروف اليوم بجدول دمرة، إلى تدفق مياه الفيضانات المحملة بالطمي من الجهة الشمالية، ما تسبب في طمر أجزاء من مدينة ميرا والكنيسة والمباني الملحقة بها. وبات مستوى النسيج العمراني للمدينة القديمة اليوم أعلى بنحو ستة أمتار من مستوى أرضية الكنيسة.

ورغم تراكم الرواسب وتغيرات الزمن، حافظ الموقع على أهميته خلال القرون اللاحقة، وشهد في القرن التاسع عشر أعمال تنقيب وترميم برعاية القيصر الروسي نيقولا الأول، إذ نفذ المعهد الروسي للآثار أعمالا في الكنيسة خلال عامي 1862 و1863، وشُيّد خلال تلك الفترة برج أجراس جديد لا يزال قائما حتى اليوم.

وتواصلت أعمال البحث والصيانة في القرن العشرين، حيث نفذ متحف أنطاليا أعمال تنظيف وترميم خلال عامي 1963 و1964، قبل أن يتولى المعهد الألماني للآثار عام 1965 دراسة الهندسة المعمارية للكنيسة وعناصرها المعمارية وأرضياتها الرخامية المزخرفة.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، غُطي القسم الجنوبي من المبنى بسقف من الفولاذ والبلاستيك لمعالجة مشكلات نظام التغطية، فيما شهد الموقع بين عامي 1989 و2009 حفريات قادتها البروفيسورة يلديز أوتوكين من جامعة حاجي تبه، أسفرت عن الكشف عن مبانٍ رهبانية في الجهة الشمالية، ومنشآت الأسقفية، ومساحات مرتبطة بالحياة اليومية للرهبان، إلى جانب عدد من القبور.

ولا تزال أعمال التنقيب والحماية والترميم متواصلة بإشراف البروفيسورة سيما دوغان من جامعة حاجي تبه، في إطار الجهود الرامية إلى صون القيمة التاريخية والفنية للموقع والكشف عن مزيد من تفاصيل تاريخه.

وتحظى كنيسة القديس نيقولاوس أيضا باعتراف دولي بأهميتها التراثية، إذ أُدرجت عام 2000 على القائمة الإرشادية المؤقتة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتراث العالمي، وهي القائمة التي تضم المواقع التي تعتزم الدول ترشيحها مستقبلا للإدراج على قائمة التراث العالمي.

وبذلك، لا تمثل كنيسة القديس نيقولاوس مجرد أثر ديني قديم، بل نافذة على تاريخ أنطاليا ومنطقة ليقيا، وعلى التفاعل بين الحضارات والفنون والمعتقدات على ضفاف المتوسط، فضلا عن كونها شاهدا على قصة شخصية تاريخية امتد حضورها من مدينة ميرا القديمة إلى مختلف أنحاء العالم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!