ترك برس

تتميز ولاية أفيون قره حصار، الواقعة في منطقة إيجه غربي تركيا، بثراء طبيعي وتاريخي جعلها وجهة تجمع بين الاستجمام والسياحة العلاجية، حيث تنبع المياه الحرارية من أعماق الأرض حاملةً معها إرثا يمتد لقرون من استخدام الينابيع والحمامات الطبيعية. وبينما يقصدها الزوار للاستمتاع بمياهها الدافئة ومنتجعاتها المتنوعة، تبرز الولاية بوصفها إحدى أبرز وجهات السياحة الحرارية في تركيا، بفضل تعدد ينابيعها المعدنية والطينية، وتنوع مرافق الإقامة والعلاج والتأهيل.

وتُعرف أفيون قره حصار بلقب «عاصمة السياحة الحرارية في تركيا»، إذ تمتلك موارد طبيعية تشمل الينابيع الساخنة ومياه الشرب المعدنية والحمامات الطينية، إلى جانب منشآت متخصصة في العلاج الطبيعي والتأهيل. ووفق مديرية الثقافة والسياحة في الولاية، تتنوع خيارات الإقامة في مراكز السياحة الحرارية بين الفنادق المصنفة خمس نجوم ومنشآت المشاركة بالوقت، بما يتيح استقبال زوار من شرائح اقتصادية مختلفة.

وتشير المديرية إلى أن أحواض المياه الحرارية في المنطقة غنية بمعادن متنوعة، وأن الينابيع استُخدمت للاستشفاء منذ آلاف السنين، فيما تعود شهرة المدينة في هذا المجال إلى العهد البيزنطي على الأقل. ولم تقتصر الاستفادة من هذه الموارد على الاستحمام بالمياه الساخنة، بل شملت أيضا الحمامات الطينية ومياه الشرب المعدنية، إلى جانب برامج العلاج الطبيعي والخدمات المساندة للصحة والاسترخاء.

وتوفر المنشآت الحرارية في الولاية مجموعة واسعة من المرافق، بينها أحواض سباحة داخلية وخارجية، وأحواض مخصصة للأطفال والعائلات، وأحواض مزودة بأحواض تدليك مائي، فضلا عن الحمامات الطينية والساونا وغرف البخار والتدليك والعلاج بالروائح والعناية بالبشرة. وتضم بعض المنشآت مرافق إضافية مثل غرف الملح والقش والرمال، وساونا الأوزون، وخدمات العناية بالقدمين، إلى جانب وحدات للعلاج الطبيعي في عدد من الفنادق والمراكز.

وبحسب المديرية، أُعلن في الولاية، بقرار من مجلس الوزراء، مركزان للسياحة الحرارية، هما مركز «أومر-غجك» ومركز «صاندقلي هودائي»، إلى جانب ينابيع ومرافق أخرى تحافظ على جاذبيتها السياحية.

ينابيع «أومر» و«غجك».. إرث تاريخي ومرافق علاجية

يقع مركز «أومر-غجك» الحراري شمال غربي الولاية، ويضم ينابيع شهيرة أبرزها حمّاما أومر وغجك، اللذان يجمعان بين الاستخدامات العلاجية والموقع القريب من مركز المدينة.

ويبعد حمام أومر نحو 15 كيلومترا عن مركز أفيون قره حصار، ويتميز بحوض يعود تاريخه إلى نحو 125 عاما. وتذكر مديرية الثقافة والسياحة أن الرحالة العثماني الشهير أوليا جلبي أشار إلى هذا النبع في المجلد التاسع من كتابه «سياحتنامه»، فيما تحمل إحدى شواهد القبور في الموقع رواية عن راعٍ متصوف يُدعى «أومر دده»، يُقال إنه اكتشف المياه بعدما حفر الأرض بعصاه.

وتشير لوحة تاريخية مرتبطة بالحوض الكبير إلى عام 1889، وهو ما يعكس قدم المنشأة واستمرار استخدامها عبر أجيال. وتُستخدم مياه أومر، تحت إشراف طبي، ضمن برامج علاجية مساندة لبعض أمراض المفاصل والروماتيزم وآلام أسفل الظهر، فضلا عن برامج التأهيل الحركي بعد العمليات الجراحية والإصابات، وبعض الحالات العصبية المزمنة.

أما حمام غجك، فيبعد نحو 16 كيلومترا عن مركز المدينة، ويُعرف باستخدام مياهه في برامج الاستحمام العلاجي والتأهيل البدني. وتورد المديرية أن هذه المياه تُستخدم بصورة تكميلية في حالات الروماتيزم وآلام الأعصاب وبعض مشكلات العظام، وكذلك في إعادة التأهيل بعد التدخلات الجراحية، كما تشير إلى الاستفادة منها عند تناولها كمياه للشرب في بعض الحالات المرتبطة بالسمنة والسكري. ويمكن الوصول إلى الحمامين عبر الطريق البري الرابط بين أفيون قره حصار وكوتاهيا، كما تتوفر وسائل نقل محلية إليهما.

«هودائي».. حمامات طينية تعود إلى العصور القديمة

وفي قضاء صاندقلي، على بعد نحو 60 كيلومترا من مركز الولاية، يقع مركز «صاندقلي هودائي» للسياحة الحرارية، الذي تُرجع مديرية الثقافة والسياحة جذوره إلى العصر الفريجي، وتربط شهرته بتاريخ طويل من استخدام المياه والطين الطبيعيين في الاستشفاء.

وتحمل المنطقة إرثا تاريخيا ودينيا؛ إذ تورد الروايات المحلية أن رئيس أساقفة المنطقة في بدايات العصر المسيحي، المعروف باسم القديس ميشيل، كان يعالج المرضى في ينابيعها، وأن قصصا عن معجزاته ارتبطت بالمكان. وتذكر المديرية أن هذه السمعة أسهمت في إطلاق اسم «المدينة المقدسة» على هيرابوليس القديمة، كما عُرفت المنطقة الأوسع باسم «فريجيا سالوتاريس»، أي «فريجيا الشافية».

وتبرز الحمامات الطينية بوصفها إحدى السمات المميزة لهودائي، إلى جانب بقايا حمام تاريخي يعود إلى الحقبة البيزنطية. وتُستخدم المياه والطين، تحت إشراف الأطباء، ضمن برامج علاجية تكميلية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي وبعض الحالات الروماتيزمية والعظمية والعصبية، فضلا عن برامج إعادة التأهيل بعد العمليات والإصابات.

ويقع المركز على مسافة نحو 8 كيلومترات جنوب قضاء صاندقلي، وعلى بعد 5 كيلومترات من طريق أفيون قره حصار-أنطاليا، ويمكن الوصول إليه بواسطة وسائل النقل المحلية انطلاقا من القضاء.

غازلي غول وهيبلي.. محطات أخرى للسياحة الحرارية

ولا تقتصر الموارد الحرارية في الولاية على المركزين الرئيسيين، إذ تضم أيضا ينابيع ومرافق أخرى، من بينها حمامات «غازلي غول» في قضاء إحسانية، و«هيبلي» في قضاء بولفادين، اللذان يحتفظان بمكانتهما السياحية رغم خروجهما من تصنيف مراكز السياحة الحرارية بقرار مرتبط بتقليص نطاق تلك المراكز عام 2019.

وتقع ينابيع غازلي غول على بعد نحو 21 كيلومترا شمال مركز أفيون قره حصار، ضمن حدود بلدتي غازلي غول ويايلاباغي. وتستقطب المنطقة زوارا محليين وأجانب، وتُستخدم مياهها في الحمامات وأغراض الشرب. كما تشير المديرية إلى أن البخار والرطوبة في الأماكن المغلقة التي توجد فيها المياه الحرارية يُعتقد أنهما قد يساعدان في تخفيف بعض مشكلات الجهاز التنفسي، إلى جانب استخدام المياه في برامج تكميلية مرتبطة ببعض الأمراض الروماتيزمية واضطرابات الدورة الدموية والجهاز الهضمي.

أما حمامات هيبلي في بولفادين، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترا من مركز الولاية، فتتمتع بتاريخ يمتد إلى العصور الرومانية والبيزنطية، واستمر استخدامها في الفترتين السلجوقية والعثمانية. وتورد المديرية أن ظهور مياهها يُعتقد أنه ارتبط بزلزال كبير وقع عام 295 قبل الميلاد، كما عُرفت المنطقة باسم «الكنيسة الحمراء» نسبة إلى كنيسة كانت تقع غرب البلدة قبل دخولها تحت الحكم التركي.

واكتسبت ينابيع هيبلي أيضا اسم «حمام الجرب»، بسبب الاعتقاد الشعبي بفاعلية مياهها في بعض الأمراض الجلدية. وتُستخدم مياهها، بعد ضبط درجة حرارتها وتحت إشراف طبي، ضمن برامج علاجية مساندة لأمراض المفاصل والأنسجة الرخوة، وبعض الحالات الروماتيزمية والعصبية، فضلا عن إعادة التأهيل بعد العمليات الجراحية والإصابات.

وبهذا التنوع بين الينابيع التاريخية والحمامات الطينية ومراكز العلاج الطبيعي، تقدم أفيون قره حصار نموذجا للسياحة الحرارية التي تجمع بين الاستفادة من الموارد الطبيعية والخدمات الصحية والاستجمام، فيما تمنح المواقع القديمة المحيطة بينابيعها الزائر فرصة للتعرف على طبقات من تاريخ المنطقة وحضاراتها المتعاقبة.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستخدامات العلاجية المذكورة تندرج، بحسب المديرية، ضمن برامج تكميلية وتحت إشراف الأطباء، ولا تعني أن المياه الحرارية بديل عن التشخيص أو العلاج الطبي المعتمد.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!