
ترك برس
رأى الكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، أن صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا يعد من أبرز التحولات السياسية في القرن الحادي والعشرين، حيث أسهمت عوامل عدة، مثل تزايد أعداد اللاجئين، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والعولمة، والمخاوف الثقافية، وتراجع الثقة في النخب السياسية التقليدية، في تعزيز هذا التوجه، مما أدى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الأوروبي.
وقال أويصال في مقال بصحيفة الشرق القطرية إن اليمين المتطرف غالباً ما يتسم بالنزعة القومية المتشددة، والعداء للاتحاد الأوروبي، والمواقف المناهضة للهجرة، مما يجعله يشكل تحدياً لهيمنة الأحزاب الوسطية. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار فوز ترامب في الولايات المتحدة وصعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) في الفترة الأخيرة مؤشراً واضحاً على هذا التحول العميق.
وأوضح أنه من الناحية التاريخية، لم يكن اليمين الراديكالي ظاهرة مستجدة، فقد شهدت أوروبا في مطلع القرن العشرين صعود الحركات الفاشية والنازية، مما أسهم في اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبعد انتهاء الحرب، أدت صدمتها العميقة، إلى جانب فرض الولايات المتحدة للنموذج الديمقراطي الليبرالي، وتهديد الشيوعية، ومشروع التكامل الأوروبي (الاتحاد الأوروبي)، إلى كبح النزعات القومية المتطرفة. غير أن هذه التوجهات عاودت الظهور تدريجياً مع انتهاء الحرب الباردة وتراجع جاذبية الفكر الشيوعي في أواخر القرن العشرين. وقد ساهمت الأزمات الاقتصادية وتزايد موجات الهجرة في صعود أحزاب يمينية متطرفة، مثل "الجبهة الوطنية" في فرنسا و"حزب الحرية" في النمسا.
وتابع المقال:
شكل الاستياء الاقتصادي في صفوف الطبقة العاملة عاملا أساسيا في صعود اليمين المتطرف. فقد أدى فقدان الوظائف وتجمد الأجور، نتيجة العولمة ونقل الصناعات إلى خارج أوروبا والتوسع في الأتمتة الصناعية، إلى شعور العمال الأوروبيين بالتهميش. وزادت الأزمة المالية لعام 2008 وما تبعها من سياسات تقشف، إلى جانب التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19، من تفاقم الأوضاع في الدول الغربية. وفي ظل هذا الواقع، لجأ كثيرون إلى دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تروج للقومية الاقتصادية والسياسات الحمائية كبديل للسياسات التقليدية.
ساهم تصاعد هجرة المسلمين من الدول العربية، وخاصة من سوريا، بعد عام 2011 في تعزيز ردود الفعل "الإسلاموفوبيا"، مما وفر بيئة خصبة لصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة. كما أن النزاعات المستمرة، والفقر، والضغوط في أفريقيا وآسيا، إلى جانب تدفق المهاجرين واللاجئين، ساهمت في نشر دعاية تحذر من تهديد الهوية الوطنية للدول. في نفس السياق، ورغم أن الحرب في أوكرانيا لم تثر قضايا متعلقة بالهوية، إلا أن الدعم المالي الكبير الذي قدمته الدول الأوروبية لأوكرانيا أثقل الأعباء الاقتصادية على هذه الدول، مما دفع الشعوب إلى الشعور بتزايد الضغط والتذمر. إلى جانب ذلك، تزايدت المخاوف المتعلقة بالإرهاب والأمن، مما أضاف بعدًا آخر لهذه الديناميكيات.
وفي أوساط الأحزاب اليمينية الراديكالية، هناك شكوك قوية تجاه الاتحاد الأوروبي، حيث تقول هذه الأحزاب إن الاتحاد الأوروبي يقوض سيادتها الوطنية ويقوض هويتها. علاوة على ذلك، يُنظر إلى الأحزاب السياسية الوسطية في أوروبا على أنها فاسدة ومنفصلة عن المواطنين العاديين. وبدافع من هذه المشاعر، صوت الشعب البريطاني لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي إيطاليا، فاز حزب الأخوة الإيطالية بزعامة جيورجيا ميلوني في انتخابات العام الماضي. وتستخدم أحزاب أخرى، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا والتجمع الوطني في فرنسا وحزب خيرت فيلدرز من أجل الحرية في هولندا، خطابًا مناهضًا للاتحاد الأوروبي لكسب التأييد.
توجد فروق أيضًا بين الأحزاب في أوروبا. ففي فرنسا وألمانيا، تبرز الأحزاب اليمينية المتطرفة بمواقف معادية للهجرة وللاتحاد الأوروبي، بينما في إيطاليا يتم التركيز على القومية والقيم المحافظة. في هولندا، تبرز سياسات معاداة الإسلام والقومية، وفي المجر تُركّز على القومية ومعاداة المثليين، أما في السويد، فيتم التركيز على معاداة الهجرة والمخاوف الأمنية. وفي إسبانيا، يُلاحظ التركيز على القومية ومناهضة للنسوية.
مع مرور الوقت، سيغدو مستقبل الاتحاد الأوروبي محل نقاش واسع بين هذه الأحزاب.
من الناحية الدولية، تدعم روسيا الحركات المناهضة للاتحاد الأوروبي، معتبرةً إياها تحالفًا ضد مصالحها الاستراتيجية. وعقب فوز ترامب في الانتخابات، بدأت الإدارة الأمريكية في دعم الأحزاب القومية المتطرفة، ما أسهم في زيادة تأثير هذه الاتجاهات. هذا التحول في السياسة الأمريكية أظهر تغيرًا في موقف الولايات المتحدة تجاه روسيا، حيث انتقلت من العداء إلى التحالف. علاوة على ذلك، ستزداد مشاعر معاداة الهجرة والمسلمين في الغرب، لتصبح أكثر شيوعًا وتأثيرًا. وفي الواقع، بما أن هذه الأحزاب القومية لا تتفق فيما بينها، فإن التوترات بين الدول الأوروبية ستتصاعد. في الوقت ذاته، ستؤدي سياسة الانعزال التي تنتهجها أوروبا إلى تقليص نفوذها في قارات أفريقيا وآسيا، ما يتيح فرصة لتخفيف بعض الضغوط في تلك المناطق. رب ضارة نافعة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!