ترك برس

زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إثيوبيا للمرة الثالثة، في خطوة يرى محللون أنها تعكس استمرار سياسة أنقرة في تعميق حضورها الإفريقي وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

جاءت الزيارة في سياق تاريخي بدأت ملامحه مع الانفتاح التركي على إفريقيا عام 2005، ثم تعززت بزيارة ثانية عام 2015، حيث ساهمت كل محطة في رفع مستوى العلاقات وتحويلها من تفاهمات متذبذبة إلى مسار تعاون مستقر.

الكاتب والمحلل التركي إبراهيم تيغلي – الذي تابع العلاقات التركية–الإثيوبية عن قرب خلال سنوات إقامته في إثيوبيا – يشير إلى أن البلدين رغم الصعوبات ظلّا يجدان مساحات للتفاهم.

فتركيا تُعد من أبرز الشركاء الاقتصاديين لإثيوبيا إلى جانب الصين والهند، إلا أن أهمية أنقرة بالنسبة لأديس أبابا لم تُشرح أو تُفهم بالقدر الكافي، ما جعل الجانب الإثيوبي يعرف تركيا أقل مما تعرفه الأخيرة عن إثيوبيا.

مكاسب متبادلة

وبحسب تقرير نشره تيغلي لموقع فوكوس بلاس، فإن الزيارة الأخيرة حملت نتائج عملية للطرفين، خصوصًا في قطاع الطاقة. فقد جرى توقيع اتفاقيات تعاون تتيح الاستفادة من الخبرات التركية لدعم الشركات العاملة في السوق الإثيوبية، التي تسعى إلى تطوير بنيتها الطاقوية. كما شمل التعاون اتفاقًا اقتصاديًا وتجاريًا وفنيًا يهدف إلى تخفيف العقبات التي تواجه الشركات التركية وفتح آفاق جديدة للاستثمار.

يرى الكاتب أن الاستقبال الرسمي الحار الذي حظي به أردوغان كان لافتًا؛ إذ لم تشهد إثيوبيا منذ نحو عقد مراسم ضيافة بهذا المستوى. كما أولت وسائل الإعلام الإثيوبية اهتمامًا واسعًا بالزيارة، ما يعكس رغبة في إبراز أهمية العلاقات مع تركيا.

في المؤتمر الصحفي المشترك، عبّر الزعيمان عن مخاوفهما وتطلعاتهما بصورة واضحة. شدد أردوغان على ضرورة السلام الإقليمي، محذرًا من تداعيات اعتراف إثيوبيا بسوماليلاند – التي سبق أن اعترفت بها إسرائيل – وهو ما اعتبره خطوة قد تزيد تعقيد المشهد. في المقابل، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي حاجة بلاده إلى منفذ بحري، وهو مطلب يرى الكاتب أنه مفهوم ومشروع، شريطة البحث عن حلول لا تفضي إلى توترات إقليمية.

موازنة المصالح

يرجح التحليل أن إثيوبيا لن تخاطر بعلاقاتها مع شركاء مهمين – مثل السعودية – من أجل خيارات قد تثير نزاعات. فالدولة ما زالت تتعافى من تداعيات الحرب الأهلية، ولم تُحسم بعد أزمات تيغراي وأمهرة وأوروميا. وبالتالي فإن الدخول في مواجهات جديدة قد يزيد هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي.

من هذا المنظور، يخلص الكاتب إلى أن تركيا خرجت من الزيارة بمكاسب ملموسة، سواء على مستوى التعاون الاقتصادي أو تعزيز حضورها الدبلوماسي في إفريقيا.

إسرائيل والبحر الأحمر

يتطرق تيغلي إلى المخاوف التركية من التحركات الإسرائيلية في البحر الأحمر. فاعتراف إسرائيل بسوماليلاند يُنظر إليه كخطوة قد تخلق توترات إقليمية جديدة. ويؤكد أردوغان – بحسب التحليل – أن الاستقرار في المنطقة يجب ألا يتأثر بهذه التطورات، وأن العلاقات التركية مع الصومال ستظل قائمة. كما دعا القيادة الإثيوبية إلى تجنب الانحياز إلى محاور قد تضر بمصالحها.

ويحذر الكاتب من أن وجود ترتيبات عسكرية إسرائيلية في البحر الأحمر قد يثير قلق دول عديدة، منها تركيا والسعودية، نظرًا لحساسية الممرات البحرية وأهميتها للتجارة العالمية.

دبلوماسية القهوة… رمزية الشراكة

أحد الجوانب الرمزية للزيارة كان مراسم القهوة الإثيوبية التقليدية، حيث قُدّمت القهوة المحمصة لأردوغان في طقس ثقافي معروف بإظهار الكرم. يرى الكاتب أن هذه الرمزية تحمل دلالة على رغبة إثيوبيا في تعزيز العلاقات، وأن “دبلوماسية القهوة” قد تكون مدخلًا لمرحلة جديدة من التعاون.

التاريخ التركي في إفريقيا ركّز على الاقتصاد والثقافة بدل نموذج المساعدات المباشرة. ويقترح تيغلي توسيع هذا النهج عبر المؤسسات الثقافية والتنموية التركية، مثل المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، لتعميق الروابط بين الشعوب.

خصوصية إثيوبيا كشريك

تتميز إثيوبيا بهوية ثقافية وتاريخية فريدة؛ فهي تمتلك لغتها وأبجديتها وتقويمها الخاص، وتضم تنوعًا دينيًا واجتماعيًا تعايش فيه المسلمون والمسيحيون لقرون. هذه الخصوصية تجعلها شريكًا مختلفًا عن باقي الدول الإفريقية، ما يستدعي مقاربة تعاون تقوم على احترام التعددية ودعم التنمية.

وفي السنوات الأخيرة، تبنت إثيوبيا سياسة خارجية نشطة استثمرت فيها علاقاتها مع قوى كبرى مثل الصين والهند والولايات المتحدة وروسيا. كما شرعت في مشاريع استراتيجية – أبرزها سد النهضة – معتبرة إياها حقوقًا سيادية. لكن هذه الطموحات تواجه تحديات داخلية، ما يبرز الحاجة إلى شراكات تساعد على تحقيق الاستقرار.

نحو شراكة ثقافية وتنموية

يخلص تيغلي إلى أن مستقبل العلاقات التركية–الإثيوبية لا ينبغي أن يقتصر على الاستثمار الاقتصادي، بل يجب أن يشمل تعاونًا ثقافيًا وتنمويًا أعمق. فالتبادل الثقافي والتعليم والإعلام يمكن أن يخلق روابط مستدامة تتجاوز المصالح المؤقتة.

ويرى الكاتب أن زيارة أردوغان قد تكون نقطة تحول تفتح الباب أمام “انفتاح إثيوبي” موازٍ للانفتاح الإفريقي التركي. وإذا تم تطوير العلاقات على هذا الأساس، فستخرج الدولتان بمكاسب متبادلة تعزز الاستقرار والتنمية.

ويختتم بالتأكيد على أن الشراكة بين البلدين ليست مجرد علاقة تجارية، بل مسار طويل الأمد يقوم على الفهم المتبادل. فكما أن إثيوبيا موطن أفضل أنواع القهوة، فإن تركيا – بحسب التعبير الرمزي لتيغلي – تقدم أفضل طريقة لتذوقها، مع لمسة من الحلوى التي تجعل العلاقة أكثر متانة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!