
ترك برس
وقّعت سوريا وتركيا عام 1998، "اتفاق أضنة" الذي أنهى توترًا كاد يتسبب في حرب بين البلدين، وجاء الاتفاق بعد أن اضطرت دمشق إلى التخلي عن زعيم تنظيم "PKK" الإرهابي عبد الله أوجلان وطرده من أراضيها، استجابةً لضغوط أنقرة التي اعتبرت دعمه تهديدًا لأمنها القومي.
وبدت ليلة السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1998 فارقة في مسار زعيم "PKK" الإرهابي، أوجلان. حيث انتهت مقابلته الطويلة مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في دمشق، بقرار إخراجه من سوريا الذي "دمعت له عيناه"، كما يروي خدام في مذكراته.
كان أوجلان يعرف أن حضور خدام لمقابلته يعني نهاية مرحلته في سوريا التي بدأت منذ عام 1980، وأن عليه أن يحزم حقائبه ويختار وجهته المقبلة، فقد تعوّد سابقا على لقاءات ودية مع رئيس شعبة الأمن السياسي عدنان بدر حسن، الذي كان عنصر الارتباط معه، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".
عرف أيضا أن التوتر كان قد بلغ أوجه بين تركيا وسوريا بعدما حشدت أنقرة 10 آلاف جندي على الحدود وطالبت بتسليمه، في حين اختارت دمشق إخراجه لنزع فتيل الأزمة الخطيرة بعد وساطة مصرية، مستبعدة تسليمه تجنبا للإحراج، كما أنها كانت تنفي دائما وجوده على أراضيها.
يروي خدام أن أوجلان خلال المقابلة "بدا خائفا وقلقا واندفع يحاول تقبيل يده لكنه لم يسمح له، وعانقه وقد فاضت الدموع من عينيه"، وهو ما نفته مصادر كردية، مؤكدة أن الرجل كان صلبا وشجاعا. اختار أوجلان اليونان وجهته من بين خيارات معدودة، بينما كاد التوتر بين سوريا وتركيا أن يصل إلى مواجهة عسكرية.
رجل فرض اتفاق أضنة
لم تكن العلاقات بين تركيا وسوريا سالكة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بسبب مسألة تقاسم مياه نهر الفرات، وتطور الروابط بين أنقرة مع تل أبيب، وكوسيلة ضغط احتضنت سوريا أوجلان ومقاتلي حزب العمال الكردستاني على أراضيها وكذلك معسكراته في سهل البقاع اللبناني، كما كانت تساعد منظمات يسارية تركية معارضة.
في تلك الحقبة، ضاقت تركيا بقيادة الرئيس سليمان ديميريل ذرعا باحتضان سوريا لأوجلان ومقاتلي وقادة حزب العمال ممن لجوؤا إليها بعد أن تعرض الحزب لضربات قاسية بعيد الانقلاب الذي قاده الجنرال كنعان إيفرين في 12 سبتمبر/أيلول 1980، وتراجع قوته إثر مقتل واعتقال الكثير من قيادييه ومقاتليه.
في النهاية خفت الأزمة التي كانت تنذر بحرب وشيكة -علمت دمشق أنها لن تكون في صالحها- بخروج أوجلان وتوقيع اتفاق أضنة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 1998 الذي أقرّ رسميا بعد 3 أشهر. وتعهدت سوريا بمقتضى الاتفاق بالتزامات كثيرة تتعلق بأوجلان وحزب العمال، و"مطالب أخرى محددة"، بدا بعضها مؤشرا على ضعف الموقف السوري.
وتشير المادة الأولى من الاتفاق إلى أنه "اعتبارا من الآن أوجلان غير موجود في سوريا حاليا وبالتأكيد لن يسمح بوجوده فيها. كما تنص المادة الثانية على أنه لن يسمح لعناصر حزب العمال الكردستاني في الخارج بدخول سوريا، وتؤكد المادة الثالثة على أنه "اعتبارا من الآن، معسكرات حزب العمال الكردستاني لن تعمل على الأراضي السورية، وبالتأكيد لن يسمح لها بأن تصبح نشطة".
وفي إطار الالتزامات السورية أشار الاتفاق -من الجانب السوري - إلى أن "كثيرين من أعضاء حزب العمال الكردستاني جرى اعتقالهم وإحالتهم إلى المحكمة، وتم إعداد اللوائح المتعلقة بأسمائهم، وقدمت سوريا هذه اللوائح إلى الجانب التركي".
كان أهم ما في هذا الاتفاق هو الملحق الثالث، الذي ينص على أنه "اعتبارا من الآن، يعتبر الطرفان أن الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وأن أيا منهما ليست له أي مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر".
وفهم من ذلك ضمنيا أن سوريا تتخلى رسميا عن أي مطالبة بحقوقها في لواء إسكندرون (إقليم هاتاي) الذي بات تابعا لتركيا منذ 1939، بعد انسحاب فرنسا التي كانت قد منحته استقلالا ذاتيا مع بقاء ارتباطه شكليا بسوريا.
جاءت كل التنازلات السورية تحت ضغوط الانتشار العسكري التركي الواسع على الحدود، وهو ما تمت ترجمته في الملحق الرابع من الاتفاق الذي يقول: "يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كيلومترات".
وبعيد الثورة السورية والحرب التي اندلعت بين النظام والمعارضة منذ عام 2011، كان البند الرابع من اتفاق أضنة هو الذي اعتمدت عليه تركيا للدخول المباشر إلى الأراضي السورية، فقد رأت أنقرة ضمنيا أن دمشق أخلت بالاتفاق، واعتبرت أن وجود "قوات سوريا الديمقراطية" التي تصنفها مجموعة إرهابية على حدودها وامتدادا لحزب العمال، يمثل خطرا كبيرا على أمنها.
رحلة أوجلان الأخيرة
يذكر خدام في مذكراته أنه عندما انتهت المقابلة "ودّعته وكانت الدمعة في عينيه"، مضيفا أنه "في الوقت نفسه كان الألم يعتصر نفسي لأنه ليس من السهل أن تقول لإنسان اخرج إلى الموت، وأنا واثق أن هذا اللقاء سيكون الأخير معه".
كان أوجلان من هؤلاء "الثوريين" أو "الإرهابيين"، الذين انتهى زمنهم بانهيار الاتحاد السوفياتي وما تلاه من متغيرات دولية، تماما مثل كارلوس (إليتش راميريز سانشيز) الذي قبضت عليه المخابرات الفرنسية في الخرطوم في 14 أغسطس/آب 1994، وكانت سوريا أيضا قد احتضنته لفترة قبل أن تطرده.
عندما كان أوجلان- الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وعدة دول أخرى إرهابيا- يغادر سوريا إلى اليونان يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 1998، ثم باحثا عن ملجأ آخر آمن بين روسيا وبيلاروسيا وإيطاليا ثم اليونان، كانت الوساطات والانحناء السوري للعاصفة قد نزعتا تدريجيا فتيل الحرب على الحدود السورية.
وبعد رحلة قادته إلى عدة عواصم أوروبية، وصل "آبو" -وتعني العم باللغة الكردية- إلى أثينا في 29 يناير/كانون الثاني 1999 قادما من إيطاليا التي لم تتحمل وجوده، وأمضى عطلة نهاية الأسبوع في "بيت آمن" وفره له اليونانيون، ليسافر بعدها إلى العاصمة البيلاروسية مينسك بحثا عن ملاذ آمن جديد، لم يحصل عليه هناك أيضا.
كان عليه أن يعود مرة أخرى إلى اليونان في الثاني من فبراير/شباط، حين أدركت الحكومة الاشتراكية اليونانية أنه لم يعد بمقدورها تحمل أعباء الضغوط التركية والأميركية والإسرائيلية أيضا، فنقلته إلى مقر مجمّع السفارة اليونانية في العاصمة الكينية نيروبي بانتظار أن تقنع دولة أفريقية مثل جنوب أفريقيا باستقباله.
وفي 15 فبراير/شباط 1999، كانت المخابرات التركية سبّاقة لاعتقال أوجلان من نظريتيها الأميركية والإسرائيلية، عندما كان في الطريق إلى مطار نيروبي نحو وجهة خارجية يرجح أنها أمستردام، وتم نقله إلى تركيا حيث قضت عليه محكمة بالإعدام، ليخُفّض الحكم لاحقا إلى السجن مدى الحياة يقضيه وحيدا في سجن إمرالي جنوبي بحر مرمرة.
كان اعتقال أوجلان إنجازا أمنيا وسياسيا كبيرا للحكومة التركية، لكنه هز بالمقابل حكومة يسار الوسط اليونانية، إذ استقال وزير الخارجية اليوناني ثيودوروس بانغالوس وسط اتهامات بأنه تواطأ في القبض على أوجلان، كما استقال أيضا وزير الداخلية ومسؤولون آخرون.
خلال نحو 26 سنة قضاها أوجلان في السجن، جرت مياه كثيرة تحت الجسور في سوريا وتركيا والعالم، سقط النظام في سوريا، وقام أوجلان الذي شب ماركسيا لينينيا بمراجعات تخلى بموجبها الحزب عن الأجندة الانفصالية أدت إلى هدنات هشة ومفاوضات سلام متعثرة.
ويشير محللون إلى وجود مؤشرات معقولة لانتهاء الصراع الدامي الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص في تركيا على مدى 4 عقود من الزمن، حين دعا أوجلان أنصاره في 27 فبراير/شباط لحل حزب العمال وإلقاء السلاح، وهو ما رآه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "فرصة تاريخية".
وتبدو هذه الدعوة وفق المحللين أكثر جدية من تلك التي حصلت يين أعوام 2009 و2015، حيث من الممكن أيضا أن يؤدي نزع سلاح حزب العمال الكردستاني إلى تحولات مهمة في أماكن أخرى في المنطقة، حيث الوجود الكردي نظرا للنفوذ الذي يتمتع به أوجلان.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!