
غزوان مصري - خاص ترك برس
شهدت العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً، انعكس جلياً في زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الرياض، وما صاحبها من توقيع اتفاقيات استراتيجية، وإطلاق منتدى اقتصادي ثنائي، وعزم مشترك على تعميق التعاون في مجالات متعددة.
تأتي زيارة الرئيس أردوغان في مرحلة مفصلية من تاريخ العلاقات التركية–السعودية، بعد فترة من التوترات الدبلوماسية في العقد الماضي أعقبت الخلافات الإقليمية والسياسية. خلال الزيارة، تم توقيع عدة اتفاقيات من أبرزها اتفاقية تعاون في قطاع الطاقة المتجددة، والتي تقضي بإنشاء محطات شمسية في ولايتي سيواس وقرمان بقدرة إجمالية تبلغ 2000 ميغاواط، بتمويل سعودي يصل إلى 2 مليار دولار، لإنتاج طاقة كافية لتغطية احتياجات نحو 2.1 مليون منزل في تركيا.
هذه الاتفاقية تعكس اتجاهاً تركياً نحو تأمين الطاقة النظيفة بتكلفة منخفضة، وتظهِر التزاماً سعودياً بالاستثمار في الاقتصاد التركي الحقيقي، بما يتوافق مع رؤية السعودية للتنويع الاقتصادي والاستثمار المتوازن خارج قطاع النفط.
كما أكّد أردوغان خلال اللقاءات على تعزيز التعاون في قطاع الدفاع والطاقة وإعادة إعمار سوريا، مشدداً على أن تركيا السعودية مصمّتان على توسيع شراكتهما الاستراتيجية بما يخدم الأمن والاستقرار الإقليميين.
وياتي الاقتصاد والتبادل التجاري وتحولات إيجابية من أهم معالم العلاقات الثنائية هو التبادل التجاري المتنامي بين البلدين، والذي شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً واضحاً بعد سنوات من الركود والهبوط.
بحسب بيانات مؤسسات اقتصادية وإحصاءات حديثة لعام 2024–2025:
• بلغ حجم الاستيراد السعودي من تركيا نحو 3.68 مليار دولار في 2024، وفق قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة (COMTRADE).
• بينما بلغت الصادرات السعودية إلى تركيا نحو 3.01 مليار دولار في نفس العام.
• كما بلغ حجم الصادرات التركية إلى السعودية حوالي 3.99 مليار دولار في 2024.
وتشير تقارير أن حجم التبادل التجاري الكلي بين تركيا والسعودية بلغ مستوى قياسياً يقارب الـ8 مليارات دولار في 2024، مع توقعات من الجانب التركي بأن يتجاوز هذا الرقم 10 مليارات دولار خلال 2025–2026، في ظل زيادة في المشاريع المشتركة والدعم الحكومي لتشجيع التجارة والاستثمار.
هذا النمو ليس عشوائياً، بل نتج عن آليات دفع منظّمة، من بينها اتفاقية شراكة بين المصارف التصديرية التركية والسعودية لدعم التمويل التجاري وتسهيل صادرات السلع، والتي تم الإعلان عنها في 2025.
تعكس هيكلة التجارة بين تركيا والسعودية تكاملاً اقتصادياً أكثر من كونه تنافسياً، إذ تستورد السعودية من تركيا بشكل رئيسي:
• الماكينات والمعدات الصناعية
• المنتجات الكهربائية والإلكترونية
• السيارات وقطع الغيار
• المنسوجات والمنتجات الحديدية
بينما تستورد تركيا من السعودية:
• البلاستيك ومشتقاته
• المواد الخام الصناعية
• منتجات البتروكيماويات
وتجدر الإشارة إلى أن السعودية تحتل موقعاً متقدماً في احتياطيات النقد الأجنبي بين الدول العربية بنحو 463 مليار دولار في 2025، ما يمنحها قدرة تمويلية قوية لدعم مشاريع عربية ودولية بما فيها في تركيا.
من المجالات الاستراتيجية التي تم التأكيد عليها خلال الزيارة، هو التعاون في قطاع الصناعات العسكرية، حيث تطمح أنقرة والرياض لبناء شراكات في تكنولوجيا الدفاع، وتصنيع مشترَك لأنظمة متقدمة، خاصة في الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاتصالات الدفاعية. وهذا النوع من التعاون يعكس ثقة سياسية متزايدة ورغبة في تعزيز القدرات الذاتية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الموردين العالميين.
على الصعيد الأمني والسياسي، اتفق الطرفان على التعاون في مجال الاستقرار في سوريا، ودعم جهود إعادة الإعمار، بما يوفر بيئة ديمقراطية معززة للاستثمار والحد من التأثيرات السلبية للصراعات السابقة. هذا التقاطع الاستراتيجي في الرؤى ساهم في تعزيز الدور التركي–السعودي في المنطقة، وتخفيف الضغوط السياسية بين بعض اللاعبين الإقليميين.
تطور العلاقات خلال السنوات الأخيرة فالعلاقات التركية–السعودية لم تكن دائماً في حالة تناغم مستمر؛ فقد عرفت فترات من التوتر السياسي في الماضي، إلا أن السنوات الأخيرة (خاصة منذ 2021) شهدت تطبيعاً تدريجياً في مستوى العلاقات الدبلوماسية، الاقتصادية والاستثمارية، ومع استضافة منتديات مشتركة للأعمال والاقتصاد، وتحقيق خطوات ملموسة في تنمية التجارة والاستثمار، باتت العلاقات بين البلدين أكثر نضجاً واستقراراً.
وفق بيانات مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، بلغت قيمة التبادل التجاري بين تركيا ودول الخليج (ومنها السعودية) ما يقارب 45 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، وهو مؤشر على نمو متسارع في العلاقات التجارية داخل المنطقة الخليجية مع تركيا.
إن زيارة الرئيس أردوغان إلى السعودية لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل صفقة استراتيجية متعددة الأبعاد في الطاقة، والتعاون الصناعي، والتجارة، والدفاع، ومستقبل سوريا. إن الشراكة الصاعدة بين أنقرة والرياض أصبحت قوة اقتصادية وجيوسياسية أساسية في المنطقة، لاسيما مع توسع التبادل التجاري، وتكوين آليات مؤسسية تدفع نحو أفق تعاوني مستدام.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













