غزوان مصري - خاص ترك برس

في عالم العلاقات الدولية توجد كتب قليلة استطاعت أن تتجاوز زمنها لتصبح مرجعًا دائمًا لفهم السياسات الكبرى. ومن بين هذه الكتب يبرز كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى” The Grand Chessboard للمفكر الاستراتيجي الأمريكي زبينغنيو بريجنسكي Zbigniew Brzezinski، الذي صدر عام 1997 بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب الباردة. ورغم مرور أكثر من ربع قرن على صدوره، ما زال هذا الكتاب يُستشهد به على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والسياسية لفهم الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى العالم، ولا سيما إلى منطقة أوراسيا والشرق الأوسط.

الفكرة المركزية التي يطرحها بريجنسكي بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في مضمونها: العالم يشبه رقعة شطرنج كبرى، والدول الكبرى هي القطع التي تتحرك عليها، بينما تمثل أوراسيا – أي القارة الممتدة من أوروبا إلى آسيا – قلب هذه الرقعة ومحورها الاستراتيجي. ويرى المؤلف أن هذه المنطقة تضم الجزء الأكبر من سكان العالم وثرواته الاقتصادية وموارده الطبيعية، ولذلك فإن السيطرة على التوازنات فيها تعني عمليًا امتلاك القدرة على التأثير في النظام الدولي بأكمله. ومن هنا يخلص إلى أن الهدف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة هو منع ظهور قوة واحدة قادرة على الهيمنة على أوراسيا.

هذه الفكرة ليست مجرد تنظير أكاديمي، بل شكلت في نظر كثير من الباحثين أحد الأسس الفكرية للسياسة الأمريكية في العقود الأخيرة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي عملت واشنطن على تعزيز حضورها العسكري والسياسي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وهي مناطق تقع جميعها ضمن المجال الجيوسياسي الذي ركز عليه بريجنسكي. كما أن توسع الناتو شرقًا، وزيادة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ودعم التحالفات الإقليمية المختلفة يمكن قراءته في إطار محاولة الحفاظ على توازن القوى داخل أوراسيا ومنع ظهور منافسين استراتيجيين.

عند إسقاط هذه الرؤية على الشرق الأوسط يتضح أن المنطقة تشكل إحدى الساحات الأكثر حساسية في رقعة الشطرنج الجيوسياسية. فإلى جانب موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، تمتلك المنطقة أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وهي موارد تمثل عصب الاقتصاد العالمي. ولهذا السبب ظلت الولايات المتحدة حاضرة بقوة في ملفات الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سواء عبر التحالفات العسكرية أو من خلال الحضور السياسي والدبلوماسي.

لكن ما يلفت الانتباه في كتاب بريجنسكي هو أنه لم ينظر إلى الشرق الأوسط فقط من زاوية الطاقة، بل من زاوية الجغرافيا السياسية الأوسع. فالمؤلف يرى أن بعض الدول في المنطقة تمتلك موقعًا محوريًا يجعلها عناصر أساسية في توازنات أوراسيا. ومن أبرز هذه الدول تركيا التي وصفها بريجنسكي بأنها دولة محورية، نظراً لموقعها الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى في آن واحد. هذا الموقع يجعل تركيا جسراً جغرافياً واقتصادياً وثقافياً بين عدة مناطق استراتيجية، كما يمنحها دورًا مهمًا في شبكات الطاقة والتجارة العالمية.

تتجلى هذه الأهمية اليوم بوضوح أكبر مما كانت عليه عند صدور الكتاب. فتركيا أصبحت أحد أهم الممرات لنقل الغاز والنفط من آسيا الوسطى والقوقاز إلى أوروبا، كما تحولت إلى عقدة لوجستية رئيسية في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا. إضافة إلى ذلك، تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو، ما يجعلها لاعبًا أساسيًا في التوازنات الأمنية للبحر الأسود والشرق الأوسط. هذه العوامل مجتمعة تعزز من صحة التحليل الذي قدمه بريجنسكي قبل أكثر من ربع قرن حول الدور الجيوسياسي لتركيا في أوراسيا.

إلى جانب تركيا، تحظى سوريا بمكانة خاصة في القراءة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وإن لم تحظَ في الكتاب بنفس المساحة التحليلية التي حظيت بها تركيا. فموقع سوريا في قلب المشرق العربي، بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وعلى شاطئ البحر المتوسط، يجعلها عقدة جغرافية تربط بين عدة مناطق استراتيجية. ولهذا السبب تحولت الأراضي السورية خلال العقد الماضي إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي معقد، شاركت فيه قوى دولية وإقليمية متعددة.

يمكن فهم الكثير من تعقيدات الأزمة السورية من خلال منظور “رقعة الشطرنج الكبرى”. فالصراع في سوريا لم يكن مجرد نزاع داخلي، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات بين القوى الدولية والإقليمية. فقد شاركت روسيا عسكريًا لدعم الحكومة السورية، بينما لعبت امريكا أدوارًا مختلفة في مناطق أخرى من البلاد، في حين انخرطت قوى إقليمية متعددة في المشهد السوري بدرجات متفاوتة. هذه التداخلات تعكس طبيعة الصراع على النفوذ داخل أوراسيا، وهو الصراع الذي ركز عليه بريجنسكي في تحليله.

في السنوات الأخيرة عاد الشرق الأوسط إلى واجهة التوترات الدولية مع تصاعد المواجهة بين امريكا اسرائيل و**ايران**، وما يرافقها من انخراط مباشر أو غير مباشر للقوى الكبرى. هذه التطورات تعيد التأكيد على أن المنطقة لا تزال جزءًا أساسيًا من التوازنات الجيوسياسية العالمية. فالتوترات في الشرق الأوسط لا تؤثر فقط في الأمن الإقليمي، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية وخطوط التجارة الدولية، وهو ما يجعل القوى الكبرى تتابعها عن كثب.

في هذا السياق تبرز أهمية الدول القادرة على لعب دور توازني في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا. فبفضل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها المتنوعة مع الغرب والشرق الأوسط وآسيا، تمتلك أنقرة هامش حركة دبلوماسي واسع يمكن أن يتيح لها دورًا مهمًا في إدارة الأزمات الإقليمية. كما أن ارتباطها المؤسسي بحلف الناتو من جهة، وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة من جهة أخرى، يمنحها قدرة على التواصل مع أطراف متعددة في وقت واحد.

إن قراءة كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى” اليوم لا تعني بالضرورة أن كل ما ورد فيه ما زال صالحًا بالحرف ذاته، فالعالم تغير كثيرًا منذ تسعينيات القرن الماضي. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في أنه يقدم إطارًا تحليليًا لفهم كيفية تفكير صناع القرار في واشنطن حيال الجغرافيا السياسية العالمية. ومن خلال هذا الإطار يمكن فهم الكثير من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط وأوراسيا، وكذلك إدراك أهمية الدول المحورية مثل تركيا في التوازنات الدولية.

وفي ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، قد يصبح هذا النوع من القراءة الجيوسياسية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالعالم يدخل تدريجيًا مرحلة تعددية قطبية تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ في مناطق مختلفة، بينما تلعب الدول المحورية أدوارًا متزايدة في إدارة هذا التوازن المعقد. ومن هذا المنظور يمكن القول إن كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى” لا يزال، رغم مرور السنوات، أحد المفاتيح المهمة لفهم السياسة الدولية المعاصرة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي ما زالت تحتل موقعًا حساسًا في حسابات القوى الكبرى

عن الكاتب

غزوان مصري

- نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي IBF - عضو المجلس الإستشاري الأعلى وممثل الرئاسة في جمعية الموصياد لرجال الأعمال - خبير بالشؤون التركية - مهتم بالتواصل العربي التركي - مهتم بالشؤن الإقتصادية والأعمال والسياسة - ناشط في العمل الطوعي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس