إحسان أقطاش - صحيفة يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

الحرب التي بدأت في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ليست مجرد صراع عسكري. هذه الحرب تعبّر عن وضع جيوسياسي جديد يشهد زعزعة كبيرة في هيكل الأمن الخليجي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. فعلى مدى ثلاثين عاماً تشكّل أمن المنطقة إلى حد كبير تحت المظلة العسكرية الأمريكية. لكن ما يجري اليوم يدل على أن هذا النظام دخل مرحلة من عدم اليقين.

عندما تنتهي هذه الحرب يمكن أن يظهر احتمالان. فإذا مُنيت إيران بهزيمة ثقيلة وحافظت إسرائيل على قوتها، فقد تصبح دول الخليج لا مجرد كيانات شبه مستقلة في منظومة أمنية، بل كيانات تعتمد مباشرة على إسرائيل.

بعد حرب الخليج عام 1991 أُنشئ نظام جديد في المنطقة. قام هذا النظام على معادلة أمنية بسيطة: تحتفظ ملكيات الخليج بقوتها في مجال الطاقة والمال، بينما تكون الولايات المتحدة الضامن الأمني النهائي للمنطقة. لكن هذا النظام انتهى عملياً بسبب سياسات إسرائيل التي دفعت حدودها إلى أقصى مدى.

قد يكون الأمر قد غاب عن نظر الكثيرين: متى بدأ القلق الحقيقي لدى الولايات المتحدة وإسرائيل؟ قبل أشهر من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول عُقد اجتماع مهم في الصين. شارك في هذا الاجتماع وزراء خارجية إيران والسعودية.

إن التقارب الذي نشأ بين إيران والسعودية كان يمكن أن يجعل وجود الولايات المتحدة في المنطقة بلا معنى. وإن قيلت جملة جريئة، فإن أحد أسباب عودة الولايات المتحدة بقوة إلى الشرق الأوسط هو هذا الأمر.

ذلك لأن الولايات المتحدة، قبل ثلاثين عاماً، أخافت دول الخليج من تهديد صدام حسين، ثم غزت العراق واستمرت في تحصيل تكاليف الحماية التي بلغت تريليونات الدولارات. ومنذ حرب الخليج وحتى اليوم استُخدمت إيران كتهديد يبرر الهيمنة الأمريكية على دول المنطقة.

ومن الانتقادات اللافتة التي وجّهها رئيس إيران مسعود بزشكيان إلى حكومته:

“كنا نعتقد أن أعداءنا هم جيراننا، لكن اتضح أن أعداءنا الحقيقيين هم الإمبرياليون.”

ويجب تذكّر ما جرى قبل غزو العراق. فبعد الثورة الإيرانية خاضت إيران والعراق حرباً استمرت ثماني سنوات. وخلال هذه الفترة زوّدت الولايات المتحدة والسعودية ودول الخليج العراق بما يقارب تريليون دولار من الأسلحة. وعندما انتهت الحرب تحول العراق إلى مخزن أسلحة، فأصبح تهديداً لدول المنطقة. فوجد “العم سام” حلاً آخر: غزا العراق الكويت. ولخوف الدول الأخرى من هذا الغزو دخلت في تحالف مع الولايات المتحدة لتمويل الحرب ضد العراق مرة أخرى.

في تلك الأثناء كانت إيران راضية نسبياً، لأن الولايات المتحدة أزالت خصمها. لكن الحسابات قصيرة المدى قد تتحول إلى كوارث طويلة المدى.

بعد أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب، استهدفت إيران هذه الثغرة. قد يبدو ضرب إيران للقواعد الأمريكية في الخليج خطوة غير محسوبة وهي تواجه دولتين معاً. لكن على المدى الطويل سيؤدي تعرض الدول التي تعتمد على الضمان الأمني الأمريكي لهذه الهجمات إلى نتائج خطيرة.

لقد لم تعمل أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية في دول الخليج بالكفاءة المطلوبة. وهذه الحقيقة أعادت إلى الواجهة سؤالاً طُرح في عواصم الخليج منذ مدة:

هل يمكن الاستمرار في أمن المنطقة بالاعتماد على قوة عالمية واحدة؟

قد تضطر دول الخليج إلى اتباع سياسة توازن تتجاوز نموذج التحالف التقليدي:

التعاون العسكري مع الولايات المتحدة،

تعميق العلاقات الاقتصادية والطاقة مع الصين،

شراكات جديدة مع تركيا في مجال الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية،

التعاون في مجال الطاقة والبحث عن توازنات جديدة مع روسيا.

السعودية هي الدولة القيادية في المنطقة. لم تتبنَّ موقفاً استسلامياً إزاء ما يجري في غزة من قتل، بل بدأت تشعر بعمق أكبر بخطر التوسع الإسرائيلي.

وبما أن موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل يقوم على دعم إلزامي، فإن دور السعودية في مستقبل جيوسياسية المنطقة بالغ الأهمية. بل هو أمر لا مفر منه من أجل بقائها.

وفي البحث الخليجي عن الأمن قد تصبح أنقرة لاعباً استراتيجياً مهماً:

1- قوة موازنة إقليمية،

2- شراكات في الصناعات الدفاعية،

3- تعاون دبلوماسي وحماية مجالات المصالح المشتركة، كما في اليمن والصومال والسودان.

ومهما كانت نتيجة الحرب، فإن هيكل الأمن الخليجي يتعرض لزلزال عميق. كما أن محاولات إسرائيل تنفيذ عمليات “علم كاذب” ضد دول الخليج تُعد محاولة للتغطية على الفراغ الأمني.

الأفضل لمنطقتنا أن تنتهي هذه الحرب بأسرع ما يمكن وأن يعود كل طرف إلى مجاله. لكن الولايات المتحدة تصدر في كل تصريح توقعات طويلة الأمد حول مدة الحرب. ويبدو أن الحسابات لم تصب هدفها.

وأفادت مجلة “بوليتيكو” نقلاً عن مصادر أمنية أمريكية أن ترامب ربما أشعل حرباً من تلقاء نفسه، لكن المؤسسات الأمريكية لم تكن مستعدة لها بالكامل.

ومن النقاط اللافتة أيضاً ما يجري في أوروبا؛ إذ تواجه القارة الأوروبية صعوبة في بناء منظومة أمنية دائمة من دون تركيا.

هذه الحرب تحولت إلى صدمة كبيرة لدول الشرق الأوسط. ويُشعر على نحو عميق بأن نظام الأمن الذي كان قائماً في ظل مظلة الولايات المتحدة قد بلغ نهايته.

ولنرَ ما يفعل الله سبحانه وتعالى.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس