د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد وهو أول ديانة عرفتها البشرية، ثم بدأ الإنسان بالانحراف فتدرج أمره حتى وقع في الشرك، وذلك هو الحق الذي لا ريب فيه، ثم إنَّ هذا القول الموافق للقرآن والسنة والفطرة والعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح قد اهتدى إليه بعض علماء الآثار والباحثون في الأديان، من الغربيين وغيرهم نذكر هنا نماذج من أقوالهم:

1. يقول الباحث (أدميسون هيوبيل) المختص في دراسة الملل البدائية: لقد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدس، أو في الله العظيم، ولقد أخطأ (تايلور) حيث جعل التفكير الديني الموحِّد نتيجة للتقدم الحضاري، والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح، ثم التعدد، ثم أخيراً العثور على فكرة التوحيد (زكريا، ص 1/199).

2. ويقول الباحث (أندريلانج) من علماء القرن الماضي: إنَّ الناس في استراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الاسترالي (وليم سميث) حيث ذكر في كتابه (أسس فكرة التوحيد) مجموعة من البراهين والأدلة جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أنَّ أول عبادة مارسها الإنسان كانت تجاه الله الواحد العظيم (زكريا، 1/199).

3. يقول الدكتور (حاج أورانج كاي) من علماء الملايو في إندونيسيا: عندنا في بلاد "أرحبيل" الملايو دليل أكيد على أنَّ أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن تدخل النصرانية، وفي عقيدة جزيرة "كلمنتان" بإندونيسيا لوثة من الهندوسية، ورائحة من الإسلام، مع أنَّ التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها، وإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السنسكريتية أو قبل الهجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من التصوُّر الاعتقادي لأجدادنا- حسب النطق والتعبيرات الموروثة- هو: أنَّ الله في عقيدتهم واحد لا شريك له (زكريا، 1/200) (ابن دانو، ص 28-30).

إنَّ هؤلاء العلماء وغيرهم من أمثال: لانج، وفريزر شميدث، وبتاتزولي، وفوكارت، قد توصلوا من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أنَّ الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم: (نظرية فطرية التوحيد وأصالته(، وقد انتصر لهذه النظرية، فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أنَّ هناك أمم عريقة لم تكن تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا عليه أنَّ عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأنَّ التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد (زكريا، 1/196).

إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد، وهذا يدحض افتراءات القائلين، بأن التديُّن من صنع الإنسان، وأول العبادة عند الإنسان كانت الآلهة المتعددة، ثم ترقَّت إلى عبادة إلهين، كإله النور وإله الظلام، وإله الخير وإله الشر، ثم ترقى إلى عبادة إله واحد (أبو فارس، ص 28).

وإنَّ التوحيد هو الأصل ومغروس في الفِطَر، وأيقنت به العقول الرشيدة، وأثبتته التجارب التاريخية الصادقة التي كان زعماؤها سادة البشر من الأنبياء والمرسلين، فالإنسانية -إذن- بدأت بالتوحيد ثم انتهت شيئاً فشيئاً إلى الشرك والتعدُّد، وهذه هي الحقيقة العلمية المؤيدة بالدليل العقلي والنقل والمنطقي والبحث العلمي، وهذه الحقائق الدامغة تقلب نظرية (أوغاسط كونت) رأساً على عقب فقد كان (أوغاسط كونت) يرى أن الإنسانية بدأت بالتعدد والشرك ثم التوحيد خاتمة المطاف فيها، وهذه النظرية لم تقف أمام الأبحاث الحديثة، بحيث انهارت كما انهار غيرها من نظريات هذا المفكر الذي كان يحتلُّ يوماً مكان الصدارة بين المفكرين، والذي أصبحت آراؤه تدرَّس الآن على أنها أثر تاريخيٌّ فحسب.

ومهما يكن من شيء، فإنه حينما انحرفتِ الإنسانية في عقيدتها شاءت رحمة الله أن يرسل نوحاً عليه السلام؛ مبشراً بالحق فيما مجال العقيدة، وبالخير في مجال الأخلاق، وبالعدالة في مجال التشريع (محمود، ص 64).

المصادر والمراجع:

1. زكريا، أبو بكر محمد. الشرك في القديم والحديث.

2. بن دانو، د. حاج أورانج كاى رحمات. التفكير الديني في العالم قبل الإسلام، ترجمة: د. عبد الرؤوف شلبي، دار الثقافة، الدوحة. قطر، 1983م.

3. أبو فارس، محمد عبد القادر. مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، دار المأمون للنشر والتوزيع، عمان. الأردن، 2013.

4. محمود، عبد الحليم. قصص الأنبياء في رحاب الكون مع الأنبياء والرسل.

5. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله. دار ابن كثير.

عن الكاتب

د. علي محمد الصلّابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس