
د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
تتجلى في قصص الأنبياء معالم التربية الإيمانية والدروس الواقعية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، ويقف مشهد هجرة كليم الله موسى عليه السلام من مصر إلى مدين كنموذج فريد لتفاعل المشاعر البشرية الطبيعية وغرائز الخوف الإنسانية بالإيمان الراسخ واليقين العقدي وحسن الظن بالله تعالى. فمن خلال التأمل في الآيات التي وصفت قرار موسى عليه السلام بالخروج من مصر والأدعية التي دعا بها ربه، نرى كيف يتحول الخوف الطبيعي إلى طاقة دافعة للتوكل على الله، وكيف يمثل اللجوء إلى الخالق والدعاء الصادق بوابتين للنجاة والهدى في دروب الحياة المادية والمعنوية.
قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ]القصص:٢1[:
خرج من المدينة خائفاً، وكان قد أصبح في المدينة خائفاً وخرج منها يترقب وكان قد أصبح فيها يترقب، وهناك صلة وثيقة بين ثلاث آيات تصور وضع موسى في المدينة:
- ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾
- ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾
- ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾؛ ففي هذه الآية الكريمة، خائف من جنود فرعون، لأن معهم أمر بالقبض عليه وقتله، وكان يترقب ويتلفّت وينظر هنا وهناك لئلا يواجه جندياً من جنود فرعون، فإذا شاهد أحدهم من بعيد سارع بالاختفاء وكان يسرع الخطى، ويسارع في السعي، ليخرج من المدينة في أقصر وقت.
وخوف موسى عليه السلام طبيعي لا يُلام ولا يُعاب عليه وليس جُبناً ولا ضعفاً، ألا تريد من رجل مطلوب القبض عليه وقتله أن يخاف من ذلك؟ ولكن خوف موسى الطبيعي من الخطر الفرعوني المحدق به لم يؤثر على إيمانه وتوكله عليه، وثقته به، فكل حياته كانت هكذا، وكان يرى فضل الله عليه وحفظه له في كل ما مرّ به من أحداث ولهذا مان عندما خرج من المدينة خائفاً يترقب ممتلئاً يقيناً بالله والتوكل عليه.
- ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: إن فرعون وجنوده قوم ظالمون، وهم الآن قد أعلنوا الحرب عليه وهم أقوياء يملكون كل أسباب ومظاهر القوة، لكنه يوقن أن القوة إنما هي لله، وأن الله سينجيه منهم ويخلّصه من مكرهم وكيدهم ولهذا سأل الله أن ينجيه منهم.
إن موسى عليه السلام يُعلّمنا أن نلجأ إلى الله عند الخطر، وألا نخشى الطغاة الظالمين مهما ملكوا من مظاهر القوة، وأن نمتلئ إيماناً بالله وتوكلاً عليه وأن نلحّ في الدعاء والتضرّع إليه لأنه لا يكشف الغمّ إلا هو.
وأنجى الله موسى عليه السلام من القوم الظالمين ولم يُدركوه، فخرج من المدينة ناجياً سالماً بفضل رعاية الله وحفظه وتوفيقه (الخالدي، 2/324)، إن النجاة من قبضة المجرمين منّة عظيمة، والإفلات من أخذ الظالمين نعمة جليلة، فعند الظالمين لا قانون يحتكم إليه، ولا شرعة تحترم ولا حقوق إنسان يوقف عندها ولا رادع ولا زاجر (نوفل، ص 255).
إن المؤمن عندما يتقرب إلى الله ويلجأ إليه يتقبل دعاؤه، ولا يستطيع الظالم مهما كان مدجّجاً بأحدث الأدوات والتقنيات والأجهزة الحديثة والقدرات والجنود والأعوان أن يؤذيه ولو قيد أنملة إذا أراد الله حمايته وسمع دعاءه ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ]القصص:٢٢[:
نلمح شخصية موسى عليه السلام فريداً وحيداً مطارداً في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين جنوبي الشام وشمالي الحجاز، مسافات شاسعة وأبعاد مترامية لا زاد ولا استعداد، فقد خرج من المدينة خائفاً يترقب وخرج منزعجاً بنذارة الرجل الناصح، لم يتلبث ولم يتزود ولم يتخذ دليلاً، ونلمح إلى جانب هذا نفسه متوجهة إلى ربه، ومستسلمة له، متطلعة إلى هداه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، ومرة أخرى نجد موسى عليه السلام في قلب المخافة بعد فترة من الأمن، ونجده وحيداً مجرداً من قوى الأرض الظاهرة جميعاً، يطارده فرعون وجنده ويبحثون عنه في كل مكان، لينالوا منه اليوم ما لم ينالوه منه طفلاً، ولكن الله عزّ وجل رعاه وحماه وهداه، فها هو يقطع الطريق الطويل ويصل إلى حيث لا تمتد إليه اليد الباطشة بالسوء (سيد قطب، 5/2685).
- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ؛ هذا المقطع من الآية الكريمة يُشعرنا بأن موسى عليه السلام خرج من مصر إلى مدين لا يلوي على شيء سوى الفرار والنجاة بنفسه من بطش فرعون وقومه، لذا لم يكن عنده فرصة أن يصطحب معه شخصاً في رحلته يكون أنيساً له، فهو قد خرج سريعاً قبل وجهه وحيداً فريداً على قدميه، ليس معه شيء وفي نظري أنه لا زاد معه ولا راحلة، بل ولا حتى ماء بل وليس معه سوى ثيابه التي على جسده، هذا ما أحست به حين تأملت هذا المقطع (الودعان، ص 6). قال العليمي -رحمه الله-: وخرج موسى هارباً بلا زاد ولا ظهر، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل (العليمي، 5/183).
وقد دلّت الآية الكريمة على هجرة كليم الله موسى إلى أرض مدين، وقيل: مدين هي اسم لموضع البئر التي استقى منها موسى عليه السلام وقيل: قوم من ذرية إبراهيم عليه السلام لصلبه، وقد قصد موسى عليه السلام بوجهه مدين حيث لا ملك فيها لفرعون، لقول صاحب مدين لموسى عليه السلام: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾]القصص:٢٥[ (الورثان، ص 220).
ونلاحظ أيضاً أنه لم يقل عليه الصلاة والسلام أن يهديني السبيل فحسب، وإنما طلب شيئاً زائداً على السبيل الذي هو الطريق، فقال: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ فمعنى سواء السبيل أيّ: وسط الطريق، الطريق الصحيح السوي (الودعان، ص 6).
- والآية الكريمة فيها الأمل والرجاء والتطلّع إلى المستقبل المشرق، والرجل والأمل هما ملاذ للمبتلى وملجأ بعد الله للهموم وبلسم للمحروم، ولولا الأمل والرجاء لما كان للحياة طعم ولا معنى.
- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ معنى عسى في اللغة: الإشفاق والطمع في قرب الشيء، فهي من أفعال المقاربة ومعناها في اللغة، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، لكنها إذ جاءت من الله تعالى فإن معناها التحقيق كما قال الطبري: وعسى من الله حق، وقال القرطبي: عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾]التحريم:٥[.
وقال أبو عبيدة: عسى من الله إيجاب، وفي كتاب اللباب في علوم الكتب لعمر بن علي الدمشقي الحنبلي: اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب؛ لأنه لفظ يفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً شيئاً ثم حرمه كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يُطمع واحداً في شيء ثم لا يعطه (الودعان، ص 7).
وقال الدكتور أحمد نوفل في الآية: ويبدو أن موسى عليه السلام يعرف وجهته قبل أن يخرج ويبدو أنه كان يتوقع مثل هذا اليوم، فكان قد درس وأعد الاحتمالات وحدّد وجهة الخروج تماماً كما صنع الأصحاب في هجرة الحبشة.
ومدين: نظنها شمال الجزيرة في جنوب الأردن، وهي قريبة نسبياً قريبة من مصر، وفي دعاء موسى عليه السلام: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، فما أحوجنا إلى الهدى في دروب الحياة، سواء دروبها المادية الموصلة إلى الأمكنة أو دروبها المعنوية الموصلة إلى الجنة (نوفل، ص 256).
المصادر والمراجع:
1. الخالدي، صلاح. القصص القرآني؛ عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق، دار القلم، ط4، 2016م.
2. نوفل، أحمد. تفسير سورة القصص، عَمان، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، ط1، 2015م.
3. سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه/ 2003م.
4. الودعان، إبراهيم بن فهد. وقفة تأمل مع موسى عليه السلام في مدين (أكثر من 200 فائدة)، السعودية، مراجعة: عبد الرحمن بن فهد الودعان، 1438ه/ 2017م.
5. العليمي. مجير الدين الحنبلي. فتح الرحمن في تفسير القرآن، دار النوادر للنشر والتوزيع، 2012م.
6. الورثان، نورة بنت عبدالله. الجانب الخلقي في قصة موسى عليه السلام والمرأتين، السعودية، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، مج17/ع33، 1426ه/ 2005م.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











