
ترك برس
كشف تقرير تركي عن تسارع التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا خلال الأشهر الأخيرة، وسط مخاوف متزايدة من سعي تل أبيب إلى فرض أمر واقع دائم عبر مشاريع أمنية وعسكرية تشمل إزالة الألغام، وتوسيع البنية التحتية الحدودية، ونشر تقنيات مراقبة متطورة. ويرى التقرير أن هذه الخطوات تتجاوز الأهداف الأمنية المباشرة لتعيد تشكيل المشهد الميداني في المنطقة على المدى الطويل.
ووفقاً لما ورد في التقرير الذي نشره موقع "فوكس بلس"، بدأت إسرائيل بتنفيذ مشروع واسع لإزالة الألغام على طول الحدود السورية، يغطي مساحة تقدر بنحو ثلاثة آلاف دونم. ومن المخطط أن يستمر المشروع ثلاث سنوات مع إمكانية توسيعه إذا تم توفير تمويل إضافي قد يصل إلى 30 مليون دولار. وتقوم شركة أمريكية متخصصة بتنفيذ المشروع مستخدمة روبوتات برية وطائرات من دون طيار وأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تمثل تحولاً نوعياً في إدارة العمليات الميدانية، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على إزالة المخاطر الأمنية، بل يتعداه إلى إعادة هندسة البيئة الحدودية وتهيئتها لترتيبات أمنية جديدة.
ويؤكد المحلل السياسي والكاتب الدكتور منذر الحوارات أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إزالة الألغام والمسح الميداني يكشف عن توجه إسرائيلي لبناء بنية تحتية أمنية طويلة الأمد على الحدود. فهذه التقنيات تمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة المنطقة وإعادة تشكيلها بما يضمن حرية حركة أوسع لقواتها، إضافة إلى إنشاء أنظمة مراقبة متطورة داخل المنطقة العازلة. ويرى الحوارات أن عمليات إزالة الألغام لا ينبغي النظر إليها بوصفها إجراءات أمنية فقط، بل باعتبارها خطوة تمهيدية لتحويل المنطقة من خط تماس عسكري إلى مساحة قابلة للإدارة والسيطرة بصورة مستدامة.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن إسرائيل تعمل على إنشاء ما يمكن وصفه بـ"الحزام الأمني المعزز"، والذي يشمل إقامة جدران إلكترونية ونقاط عسكرية ثابتة، إلى جانب تجهيز البنية التحتية اللازمة لاستخدام الأراضي لأغراض مدنية واقتصادية مستقبلاً. كما أن إنشاء قواعد عسكرية جديدة ونقاط مراقبة إضافية يعكس، بحسب التقرير، انتقال الاستراتيجية الإسرائيلية من الردع المؤقت إلى محاولة إعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب سوريا بشكل دائم.
وعلى الصعيد الميداني، يلفت التقرير إلى استمرار مشروع "سوفا 53" الذي بدأته إسرائيل عام 2022 في ريف القنيطرة. ويتضمن المشروع شق طرق عسكرية بعرض ثمانية أمتار، وبناء سواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى خمسة أمتار، وإنشاء نقاط مراقبة على طول خط وقف إطلاق النار. ويمتد المشروع إلى مناطق واسعة وصولاً إلى نقطة التقاء الحدود السورية الأردنية الإسرائيلية. وتشير المعطيات إلى أن التقدم الإسرائيلي داخل خط وقف إطلاق النار تراوح بين 300 وألف متر، مع تسارع ملحوظ في وتيرة الأعمال منذ أواخر عام 2024.
كما ترتبت على هذه الأنشطة آثار مباشرة على السكان المحليين، حيث تسببت، بحسب مصادر محلية، في تضرر نحو 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية، إضافة إلى خسائر في قطاع الثروة الحيوانية وتأثيرات سلبية على مصادر المياه. ويرى الحوارات أن تحويل المناطق العسكرية والملغمة إلى مناطق قابلة للاستخدام المدني والتجاري يعكس تجاوز إسرائيل للبعد الدفاعي التقليدي، واتجاهها نحو بناء نظام أمني وإداري دائم في المنطقة. ويحذر من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تكريس واقع جديد يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
أما من الناحية الأمنية، فيوضح التقرير أن الجنوب السوري يشهد تصاعداً مستمراً في التوتر نتيجة العمليات العسكرية شبه اليومية. فقد تحدثت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" عن تنفيذ القوات الإسرائيلية عمليتين بريتين منفصلتين في ريف القنيطرة الجنوبي، مع تحركات لآليات عسكرية في محيط بلدتي صيدا الحانوت ورفيد. كما أشارت إلى أن هذه التحركات تأتي ضمن سلسلة متكررة من الانتهاكات التي تشمل المداهمات وعمليات التفتيش وإقامة الحواجز والاعتقالات، بالتوازي مع استمرار الغارات الجوية منذ أواخر عام 2024.
وعلى المستوى السياسي، اتهم المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم أولابي إسرائيل خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي بالسعي إلى فرض واقع جديد في جنوب سوريا، معتبراً أن الإجراءات الإسرائيلية تنتهك اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 وتعرقل جهود تحقيق الاستقرار في البلاد. ومن جهته، يرى الدكتور الحوارات أن إنشاء منطقة أمنية معززة داخل الأراضي السورية يعني عملياً نقل خطوط الدفاع الإسرائيلية إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً، الأمر الذي يمنح إسرائيل تفوقاً أمنياً واستخباراتياً دائماً عبر الاعتماد على الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي.
ويحذر الحوارات من أن هذه الإجراءات تتم في مرحلة انتقالية تعاني فيها سوريا من هشاشة سياسية وأمنية، ما يجعلها بمثابة ترتيبات أحادية الجانب تمس السيادة السورية بشكل مباشر. كما يرى أن ترسيخ حزام أمني دائم في الجنوب السوري قد يزيد من تعقيد أي تسوية سياسية مستقبلية، نظراً لارتباطه بأمن الأردن، والتوترات الإيرانية الإسرائيلية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة بأسرها.
ويخلص التقرير إلى أن جنوب سوريا يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً في ظل استمرار التوسع العسكري الإسرائيلي بالتوازي مع محاولات إقليمية لاحتواء التصعيد. كما تثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول مستقبل المنطقة العازلة وطبيعة الترتيبات الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على الأرض، وما إذا كانت ستتحول إلى واقع دائم يصعب تغييره في المستقبل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










