هلال قابلان - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

لن تستضيف تركيا خلال الأيام المقبلة قمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) فحسب، بل ستتاح لها أيضًا فرصة لإبراز ثقلها الجغرافي والسياسي من جديد، في منعطف حاسم تتشكل فيه موازين القوى الدولية الجديدة. ففي الوقت الذي تشهد فيه البنية الأمنية الأوروبية، لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، تحولًا جذريًا بهذا الحجم، يُعاد أيضًا تعريف دور تركيا، الواقعة في قلب حزام الأزمات الممتد من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط.

وأدى استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتعميق التوتر بين إيران وإسرائيل لحالة عدم الاستقرار الإقليمي، وسعي أوروبا إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، إلى توسيع أجندة الناتو. فلم يعد الأمر يقتصر على الدفاع الجماعي، بل أصبحت قضايا أمن الطاقة، والبنى التحتية الحيوية، والصناعات الدفاعية، والتهديدات السيبرانية، وسلاسل التوريد، من بين الملفات الأساسية للحلف. وفي ظل هذا المشهد، تبرز تركيا باعتبارها واحدة من الدول النادرة القادرة على قراءة تطورات البحر الأسود والقوقاز وشرق البحر المتوسط والشرق الأوسط في آن واحد.

أما بالنسبة لأنقرة، فإن القيمة الحقيقية للقمة تتجاوز المكانة الدبلوماسية. إذ ستطرح تركيا بقوة على طاولة النقاش مطالبها التي ترددها منذ فترة طويلة، والمتمثلة في رفع القيود المفروضة على صناعاتها الدفاعية بالكامل، والحصول على دور أكبر في المشاريع الأمنية الأوروبية، وتلقي دعم أكثر ملموسية من حلفائها في مكافحة الإرهاب.

ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن الملفات السياسية. فاستعداد دول الناتو لزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل كبير يعني طرح مشاريع جديدة بمليارات الدولارات. وبالنسبة إلى تركيا، التي بنت خلال السنوات الأخيرة قدرات مهمة في إنتاج الطائرات المسيّرة والطائرات المسيّرة المسلحة، والمركبات المدرعة، والمنصات البحرية، والذخائر، فإن هذه المرحلة قد تتيح فرصًا مهمة لزيادة صادراتها وتطوير نماذج جديدة للإنتاج المشترك.

غير أن مثل هذه المنعطفات الحساسة لا تجلب الفرص وحدها، بل تحمل معها أيضًا مخاطر. ولا ينبغي تجاهل احتمال سعي بعض الأطراف التي لا ترغب في تحقيق تركيا مكاسب دبلوماسية إلى افتعال استفزازات قبل القمة أو أثناء انعقادها. ولا سيما في ظل التصعيد السريع الذي شهدته التوترات الإقليمية مؤخرًا، تكتسب حالة التأهب القصوى لدى أجهزة الاستخبارات والأمن أهمية بالغة.

كما أن الانفجار الذي وقع أمس في العاصمة السورية، وأودى بحياة خمسة أشخاص، أظهر مرة أخرى مدى هشاشة الأوضاع في المنطقة. وبالطبع، ليس من الصواب إصدار أحكام قاطعة قبل اتضاح هوية المسؤولين عن الحادث وأهدافهم. إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أنه قبيل الاجتماعات الدولية المهمة، قد تُستخدم هجمات أو عمليات تخريب أو حملات تضليل إعلامي من شأنها رفع مستوى التوتر الإقليمي. وينبغي التعامل بجدية مع احتمال إقدام أطراف مختلفة، وفي مقدمتها إسرائيل بما تسببه سياساتها الإقليمية من توتر مرتفع، على خلق بؤر أزمات جديدة بما يتوافق مع حساباتها الاستراتيجية.

ولذلك، ينبغي إدارة قمة الناتو في أنقرة ليس فقط من خلال الاستعدادات الدبلوماسية، بل أيضًا من خلال رؤية أمنية متعددة المستويات. فنجاح السياسة الخارجية متعددة الأبعاد التي انتهجتها تركيا خلال السنوات الأخيرة لن يعتمد فقط على المفاوضات التي ستُجرى على طاولة القمة، وإنما أيضًا على قدرتها على إحباط الاستفزازات التي قد تُلقي بظلالها على تلك الطاولة.

وإذا تمكنت أنقرة من إدارة هذه المرحلة بنجاح، دبلوماسيًا وأمنيًا، فقد تدخل هذه القمة التاريخ، بالنسبة لتركيا، ليس بوصفها مجرد اجتماع دولي حظي بتنظيم جيد، بل باعتبارها واحدة من أهم المنعطفات في المرحلة الجيوسياسية الجديدة.

عن الكاتب

هلال قابلان

كاتبة في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس