غورسال توكماك أوغلو - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

يشكل حصول تركيا على صفة "شريك الحوار" مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في عام 2026 محطة مهمة في إطار انفتاحها الاستراتيجي طويل الأمد على منطقة جنوب شرق آسيا. ولا تقتصر أهمية هذه الصفة على كونها لقبًا دبلوماسيًا فحسب، بل إنها تتيح فرصًا ملموسة في مجالات التكامل الاقتصادي، والتحول الرقمي، ومرونة سلاسل التوريد، وتحقيق التوازن الجيوسياسي. كما أن آسيان، التي يبلغ عدد سكانها 680 مليون نسمة، ويتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 4 تريليونات دولار، وتُعد إحدى أكثر قواعد الإنتاج ديناميكية في العالم، تمثل ركيزة لا غنى عنها في رؤية تركيا "إعادة آسيا".

التكامل الاقتصادي وإمكانات التجارة والاستثمار

حققت الجماعة الاقتصادية لرابطة آسيان (AEC)، منذ عام 2015، تقدمًا ملحوظًا في مجالات خفض الرسوم الجمركية، وتحرير الاستثمارات، وتجارة الخدمات. ويهدف "الخطة الاستراتيجية للجماعة الاقتصادية لآسيان 2026-2030"، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2026، إلى نقل التكامل من نموذج "يركز على التجارة" إلى هيكل "مستدام ومبتكر ومرن". وتحظى هذه الخطة بدعم من التكامل الموسع الذي توفره اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، وكذلك اتفاقية إطار الاقتصاد الرقمي (DEFA).

وتراوح حجم التجارة الثنائية بين تركيا وآسيان خلال الفترة 2024-2025 بين 13 و15 مليار دولار. ورغم أن هذا الرقم يمثل حصة متواضعة من إجمالي التجارة الخارجية لآسيان، فإنه ينطوي على إمكانات نمو مرتفعة. وتوفر اتفاقيتا التجارة الحرة القائمتان بين تركيا وسنغافورة، وبين تركيا وماليزيا، مزايا في قطاعات محددة مثل الآلات، والصناعات الدفاعية، والمنتجات الحلال. غير أن عدم وجود اتفاقية تجارة حرة تشمل المنطقة بأكملها، إلى جانب استمرار العوائق غير الجمركية، وتفاوت مستويات التنمية بين دول آسيان، يحد من وصول التجارة إلى كامل إمكاناتها.

أما على صعيد الاستثمار، فتبدو الصورة أكثر إيجابية. فقد سجلت الاستثمارات التركية المباشرة في آسيان زيادة ملحوظة في عام 2024، وأصبحت تركيا، على وجه الخصوص في فيتنام، أكبر مستثمر منحدر من منطقة الشرق الأوسط، باستثمارات بلغت 1.74 مليار دولار أمريكي موزعة على 43 مشروعًا. كما يمثل اتفاق تزويد إندونيسيا بـ48 مقاتلة من طراز "قآن" (KAAN) قفزة استراتيجية في مجال الصناعات الدفاعية. وتبرز فرص الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا في مجالات الطاقة الحرارية الأرضية، والمعادن الحرجة، ولا سيما النيكل، والتحول الأخضر.

الاقتصاد الرقمي والتعاون الموجه نحو المستقبل

تتشكل استراتيجيات آسيان للاقتصاد الرقمي من خلال خطة "ADM 2025" وما يتبعها من "ADM 2030". وتركز هذه الخطط على مجالات تشمل البنية التحتية الرقمية، والأمن السيبراني، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والمهارات الرقمية، والشمولية.

ومن المتوقع أن تؤدي الصيغة النهائية لاتفاقية إطار الاقتصاد الرقمي (DEFA)، المرتقب توقيعها في عام 2026، إلى توحيد قواعد التجارة الرقمية، بما يتيح إمكانية رفع حجم الاقتصاد الرقمي لآسيان إلى تريليوني دولار بحلول عام 2030.

وبالنسبة إلى تركيا، يمثل هذا المجال فرصة وضرورة في آن واحد. فالمشاريع المشتركة التي يمكن تطويرها في مجالات سلاسل التوريد الرقمية، والتكنولوجيا المالية (Fintech)، ومنصات التجارة الإلكترونية، وأمن البيانات، قادرة على الجمع بين القدرات التكنولوجية التركية وحجم سوق آسيان. كما يمكن لأنظمة المدفوعات العابرة للحدود المشابهة لنظام "Nexus"، وبيئات الاختبار التنظيمية (Regulatory Sandboxes)، أن تشكل ساحة اختبار مهمة لشركات التكنولوجيا والتكنولوجيا المالية التركية.

المخاطر الجيوسياسية وتحقيق التوازن الاستراتيجي

تتحرك آسيان في عام 2026 ضمن بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية. فالتوترات في بحر الصين الجنوبي، ولا سيما بين الفلبين والصين، والصراع الداخلي في ميانمار، والضغوط الناجمة عن التنافس بين الولايات المتحدة والصين لاختيار أحد الطرفين، كلها عوامل تضع مبدأي الوحدة والمركزية اللذين تتبناهما آسيان أمام اختبار صعب. كما تظهر استطلاعات الرأي تزايد المخاوف في المنطقة من اندلاع "صراع غير مقصود".

وفي هذا السياق، تسهم صفة "شريك الحوار" التي حصلت عليها تركيا في دعم استراتيجية "عدم الانحياز" و"تحقيق التوازن متعدد الأقطاب". وبالنسبة إلى دول آسيان، يمكن أن تكتسب تركيا أهمية باعتبارها شريكًا موثوقًا لا يتموضع بالكامل ضمن المحور الصيني ولا الأمريكي. كما أن الشراكات التي يمكن تطويرها في مجالات تأمين إمدادات المعادن الحرجة، مثل النيكل والعناصر الأرضية النادرة، وأمن الطاقة، والبنية التحتية القادرة على الصمود أمام الكوارث، قد تؤدي دورًا في الحد من المخاطر الجيوسياسية.

البعد الجيولوجي والتعاون القائم على الموارد

يخلق موقع آسيان على "حلقة النار" في المحيط الهادئ مخاطر وفرصًا في آن واحد. فارتفاع مخاطر الزلازل والنشاط البركاني يفرض جعل "المرونة" عنصرًا أساسيًا في تخطيط البنية التحتية وسلاسل التوريد. وفي المقابل، تدعم هذه البنية الجيولوجية إمكانات الطاقة الحرارية الأرضية، حيث تعد إندونيسيا والفلبين من بين الدول الرائدة عالميًا، كما تسهم في تكوين المعادن الحرجة.

وتشكل خبرة تركيا في قطاع التعدين، وتقنياتها في مجال الطاقة الحرارية الأرضية، وقدراتها في إدارة الكوارث، أساسًا قويًا لإقامة شراكات مع آسيان في مجال "التحول الأخضر والمرن". وعند دمج هذا البعد مع التحليلات الاقتصادية والرقمية السابقة، يصبح بالإمكان الارتقاء بالتعاون من مجرد تعاون تجاري إلى شراكة ذات طابع استراتيجي.

النتائج والتوصيات

دخلت العلاقات بين تركيا وآسيان مرحلة جديدة مع حصول تركيا على صفة "شريك الحوار" في عام 2026. وتبدو المكاسب الملموسة ممكنة على صعيد التكامل الاقتصادي، والتحول الرقمي، وتحقيق التوازن الجيوسياسي. غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب اتخاذ الخطوات التالية:

توسيع اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية (مع إندونيسيا، وفيتنام، وتايلاند)، والبدء مع مرور الوقت في مفاوضات على مستوى التكتل.

إعطاء الأولوية للاتفاقيات القطاعية المتوافقة مع اتفاقية إطار الاقتصاد الرقمي (DEFA) وخطة الجماعة الاقتصادية لآسيان 2026-2030، ولا سيما في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتحول الأخضر، والمعادن الحرجة.

إنشاء آليات عملية للمشاريع المشتركة، ليس فقط على مستوى الاتصالات رفيعة المستوى، بل أيضًا بين أوساط الأعمال والمؤسسات الأكاديمية.

الاستخدام الفاعل لموقع "الطرف الثالث" بهدف إدارة المخاطر الجيوسياسية.

ستواصل آسيان كونها واحدة من أكثر مناطق العالم ديناميكية خلال القرن الحادي والعشرين. وإن إسهام تركيا في هذه الديناميكية من خلال العمق الاستراتيجي، والقدرة التكنولوجية، والدبلوماسية المتوازنة، يمثل قيمة مهمة، سواء من حيث مصالحها الوطنية أو من حيث الاستقرار الإقليمي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!