ترك برس

أعادت الانتقادات الصادرة عن شخصيات ودوائر إيرانية تجاه «اتفاق مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، إلى الواجهة محاولات سابقة قادتها أنقرة لإشراك طهران في ترتيبات تعاون إقليمية، ولا سيما خلال الأزمة السورية عام 2012.

وفي هذا السياق، ذكّر الأكاديمي والكاتب التركي أحمد أويصال، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، بأن تركيا سبق أن اقترحت آليات تعاون إقليمية تضم إيران لمعالجة الأزمة السورية، رداً على المنتقدين الإيرانيين والمؤيدين لطهران لاتفاق الدفاع الجديد.

وقال أويصال إن منتقدي الاتفاق يتجاهلون أن أنقرة حاولت في مرحلة مبكرة من الأزمة السورية إيجاد صيغة تعاون مع إيران بدلاً من دفع التنافس الإقليمي نحو مواجهة مفتوحة، معتبراً أن تلك المبادرات لم تتحول آنذاك إلى إطار تعاون مستدام.

وجاءت تصريحات أويصال بعد توقيع تركيا والسعودية وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس/آب الجاري. وبحسب الرئاسة التركية للاتصال، ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول الثلاث جميعاً، كما يستهدف تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي بينها.

ورغم الجدل الإيراني حول الاتفاق، لا تتبنى طهران موقفاً موحداً معارضاً له؛ إذ قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، وفق ما نقلته «الحرة»، إن بلاده لا ترى سبباً للاعتقاد بأن الاتفاق موجه ضدها، في حين انتقدت شخصيات إيرانية أخرى الترتيب الجديد. ومن بينها عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان إبراهيم رضائي، الذي شكك في قدرة الاتفاق على توفير الأمن للسعودية، بحسب ما أوردته «الجزيرة».

ويستند أويصال في استحضاره للماضي إلى تحركات دبلوماسية جرت خلال عام 2012، عندما كانت الخلافات بين تركيا وإيران بشأن مستقبل نظام بشار الأسد تتسع. وفي أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، التقى رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على هامش قمة منظمة التعاون الاقتصادي في باكو.

وخلال اللقاء، اقترحت أنقرة عدة صيغ ثلاثية متوازية للتعامل مع الأزمة السورية. ووفق دراسة نشرها المعهد الفرنسي لدراسات الأناضول، تضمنت المقترحات آلية تجمع تركيا وإيران ومصر، وأخرى تضم تركيا وإيران وروسيا، وثالثة تجمع تركيا ومصر والسعودية.

وتشير تغطية صحفية تعود إلى أكتوبر/تشرين الأول 2012 في «أذربيجان نيوز»، إلى أن أردوغان وأحمدي نجاد اتفقا حينها على تعزيز التواصل بين وزارتي خارجية البلدين بهدف تقليص الخلافات بشأن سوريا ووقف إراقة الدماء، إلا أن صيغ التعاون الثلاثية المقترحة لم تتحول إلى آلية فاعلة في تلك المرحلة.

وكانت هناك أيضاً محاولة إقليمية موازية قادها الرئيس المصري آنذاك محمد مرسي، شملت مصر وتركيا وإيران والسعودية، لكن الرياض لم تشارك في أحد الاجتماعات الوزارية الأولى لهذا المسار. وظلت الخلافات بين أنقرة وطهران عميقة بشأن مصير الأسد ودور المعارضة السورية، قبل أن تتجه الدولتان لاحقاً، إلى جانب روسيا، نحو صيغة مختلفة للتعاون ضمن مسار أستانة بعد عام 2016.

ويأتي استحضار تلك المبادرات بعد نحو 14 عاماً في إطار السجال المتعلق بـ«اتفاق مكة»، إذ يسعى أويصال من خلال المقارنة إلى القول إن توجه أنقرة نحو إنشاء أطر أمنية وسياسية إقليمية ليس جديداً، وإن تركيا سبق أن حاولت إشراك إيران نفسها في آليات لمعالجة أزمات المنطقة، رغم التباينات السياسية الكبيرة بين الجانبين.

وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس/آب 2026، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» خلال قمة عُقدت في مكة المكرمة، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف. وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الدول جميعًا، إلى جانب العمل على تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي وتعزيز قدرات الردع المشترك.

وتأتي الاتفاقية في امتداد لمسار متنامٍ من التعاون الأمني والعسكري بين الدول الثلاث، ولا سيما بعد توقيع السعودية وباكستان اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك في سبتمبر/أيلول 2025، والذي أقر بدوره مبدأ اعتبار الاعتداء على إحدى الدولتين اعتداءً على الأخرى. وبانضمام تركيا إلى الصيغة الجديدة، انتقل التعاون من إطار ثنائي سعودي-باكستاني إلى ترتيب دفاعي ثلاثي يربط الخليج بتركيا وباكستان.

وتؤكد الدول الموقعة أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ويهدف إلى مواجهة التهديدات والتحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط والخليج توترات أمنية وتحولات متسارعة في ترتيبات الأمن الإقليمي. وأثارت الاتفاقية منذ توقيعها نقاشًا بشأن ما إذا كانت تمثل نواة لتحالف عسكري أوسع، إلا أن البيانات الرسمية المعلنة حتى الآن تركز على الردع والدفاع الجماعي والتعاون العسكري بين الدول الثلاث.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!