ترك برس

تجمع ولاية كليس، الواقعة جنوبي تركيا، بين إرث حضاري عريق وتنوع ديني وثقافي وطبيعي يجعلها واحدة من المدن الغنية بمعالمها التاريخية والإنسانية. فمن أضرحة الصحابة والمواقع الأثرية التي تعود إلى آلاف السنين، وصولا إلى المساجد والتكايا والقصور والأسواق والمنشآت المائية والمتاحف، تقدم المدينة لزوارها رحلة عبر مراحل متعاقبة من تاريخ الأناضول وبلاد الشام وبلاد الرافدين.

وتبرز كليس أيضا بموقعها الجغرافي الذي جعلها عبر التاريخ ملتقى للطرق التجارية والحضارات المختلفة، وهو ما انعكس بوضوح على نسيجها العمراني ومعالمها الدينية والأثرية التي ما تزال شاهدة على عمق تاريخ المنطقة.

أضرحة الصحابة.. وجهة للسياحة الدينية

تعد كليس من الولايات التركية التي تضم أكبر عدد من قبور الصحابة، وتتمتع بمكانة مهمة في مجال السياحة الدينية. ووفقا لما أورده الرحالة العثماني أوليا جلبي في كتابه "سياحت نامه"، تضم المدينة نحو ثلاثة آلاف قبر للصحابة، فيما يوجد مقام أو ضريح لـ22 صحابيا مفتوحا أمام الزوار.

وتحتضن كليس أضرحة ومقامات عدد من الشخصيات الدينية، من بينها شرحبيل بن حسنة وبلال الحبشي والشيخ منصور والشيخ محمد الأنصاري وشمعون النبي والشيخ محمد البدوي والشيخ قربة، إلى جانب مقامات تنسب إلى طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وغيرهم.

قلعة رواندا.. حارس التاريخ فوق التلال

تقع قلعة رواندا في قرية بيلان أوزو التابعة لقضاء بولات إيلي، فوق تلة مرتفعة تمنحها موقعا استراتيجيا مميزا. ورغم ما تعرضت له القلعة من أضرار بفعل الزمن، ساهمت أعمال الترميم في تسهيل الوصول إليها من خلال إنشاء درجات وممرات للمشي ومناطق للراحة ولوحات تعريفية.

وفي القسم الشرقي من القلعة يوجد خزانان كبيران للمياه تتقدمهما سلالم، ويعتقد أن ممرا سريا كان يربطهما بنهر عفرين. كما تظهر في الجزء الشمالي آثار مبنى يرجح أنه كان قصرا، في مشهد يكشف جانبا من الأهمية التاريخية والعسكرية للموقع.

أويلوم هويك.. ملتقى الأناضول وسوريا وبلاد الرافدين

يعد موقع أويلوم هويك أحد أكبر التلال الأثرية في الشرق الأوسط، كما يمثل مركزا التقت فيه حضارات الأناضول وسوريا وبلاد الرافدين. ويشرف الموقع على سهل كليس، واكتسب أهمية استراتيجية بفضل موقعه على طرق التجارة القديمة الممتدة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

وشكل أويلوم هويك، إلى جانب التلال المحيطة به، مركزا إقليميا مهما خلال فترات تاريخية متعددة، ولا سيما العصور البرونزية الممتدة تقريبا بين عامي 3000 و1200 أو 1000 قبل الميلاد.

وتشير الأبحاث والتنقيبات إلى أن الموقع شهد استيطانا كثيفا ومتواصلا منذ العصر النحاسي المتأخر، بين عامي 3500 و3000 قبل الميلاد على الأقل، واستمر الاستيطان فيه حتى العصر الهلنستي. وتساهم أعمال التنقيب، المستمرة منذ عام 1989، في إلقاء الضوء على تاريخ المنطقة وتاريخ الشرق الأدنى القديم.

بازيليكا الفسيفساء.. شاهد على المسيحية المبكرة

إلى الجنوب الغربي من أويلوم هويك تقع بازيليكا تعود إلى القرن السادس الميلادي وتنتمي إلى فترة المسيحية المبكرة. وقد كشف جزء منها عام 1999، فيما أظهرت أعمال التنقيب خلال عامي 2004 و2006 معظم أجزاء المبنى.

وتبلغ مساحة البازيليكا نحو 800 متر مربع، وتتميز بأرضياتها الفسيفسائية التي تضم زخارف نباتية وصلبان مالطية وأشكالا هندسية متنوعة، منها الدوائر المتقاطعة والمعينات والمربعات والزخارف المتعرجة.

وتعكس هذه الزخارف، المنفذة بأحجار حمراء وبنية وبيضاء ورمادية وبرتقالية وسوداء، خصائص الفن البيزنطي المبكر.

من صناعة الصابون إلى متحف للتراث

تمثل مباني كليس التقليدية جزءا مهما من هوية المدينة، ومن أبرزها مبنى متحف الصابون التاريخي، الذي يعد أحد أفضل نماذج العمارة التقليدية في كليس.

وكان المبنى، عند إنشائه في مطلع القرن العشرين، أكبر منشأة لإنتاج زيت الزيتون والصابون في المدينة، فيما تتواصل الأعمال حاليا لتنظيم وعرض مقتنيات المتحف بما يحفظ ذاكرة هذه الصناعة التقليدية.

كما تزخر المدينة بالقصور والمنازل التاريخية التي تنتشر بين أزقتها الضيقة وأقبيتها المعمارية، ومن أبرزها قصر أكينجي وقصر جاغلاسيان المعروف بـ"جاتوم"، وقصر نشأت أفندي، والقصر الحكومي القديم، وقصر جان بولاد باشا، وقصر عابدين آغا وأحمد بك وسوبورغيجي.

الكاستلات والحمامات.. ملامح الحياة القديمة

تحتفظ كليس بعدد من الكاستلات أو النوافير والمنشآت المائية التاريخية، التي كان بعضها يحصل على المياه من الآبار والينابيع الواقعة خارج المدينة. ورغم أن بعض هذه المنشآت فقد خصائصه الأصلية أو توقف عن تدفق المياه، سجل عدد منها ضمن الممتلكات الثقافية الثابتة.

ومن أبرز هذه المنشآت كاستل صالح آغا وكاستل كورو وكاستل إبشير باشا وكاستل فلاح وكاستل كورداغا وكاستل نميكا.

وتضم المدينة أيضا حمامات تاريخية تعكس تفاصيل العمارة العثمانية، من بينها حمام باشا والحمام القديم وحمام توغلو وحمام هوجا وحمام حسن بك.

مساجد وتكايا تحمل بصمات العهد العثماني

يعد الجامع الكبير، الذي شيد عام 740، أكبر مساجد كليس، ويتميز بساحته الواسعة ذات المدخلين ونافورته ذات الفوهات السبع. وكانت مياه الجامع تأتي من مياه كورتاغا التي تعد من أجود مياه المدينة.

أما جامع وتكية جان بولاد باشا فيعد من أهم معالم كليس المعمارية. ووفقا لوثيقة الوقف، شيد المسجد عام 1553 بأمر من سنجق بك كليس جان بولاد بك، وفق الطراز العثماني الكلاسيكي وبمخطط مركزي.

ورغم عدم معرفة اسم مهندس المسجد، فإن خصائصه المعمارية التي تنتمي إلى عمارة القرن السادس عشر، وتشابهه مع جامع الخسروية في مدينة حلب، عززت الآراء التي تربطه بالمدرسة المعمارية لمعماري سنان وتلاميذه، دون وجود وثيقة حاسمة تثبت ذلك.

وتحتضن كليس أيضا مولويخانة تاريخية يرجح أن بناءها تم بين عامي 1535 و1553، وهي واحدة من 32 مولويخانة ما تزال قائمة في الأراضي التركية. وتعد من أقدم الآثار المعمارية العثمانية التي وصلت إلى العصر الحالي، وتشكل أحد أبرز معالم وسط المدينة.

متحف علاء الدين يافاشجا.. ذاكرة فنية في بيت الطفولة

يحفظ متحف البروفيسور الدكتور علاء الدين يافاشجا، أحد أبرز فناني ومؤلفي الموسيقى التركية، ذكريات الفنان في المنزل الذي قضى فيه طفولته بمدينة كليس قبل تحويله إلى متحف.

ويضم المتحف 143 قطعة شخصية تتناول مختلف مراحل حياة يافاشجا، من طفولته وحياته العائلية ودراسته للطب، إلى حياته الزوجية ومسيرته الفنية والجوائز التي حصل عليها. كما يعكس المبنى نفسه خصائص العمارة التقليدية في كليس.

كنيس يروي جانبا من التنوع الديني

يكشف الكنيس التاريخي في كليس عن جانب آخر من التنوع الديني والاجتماعي الذي عرفته المدينة. وتشير المعلومات إلى أن المبنى شيد عام 1909 وظل مستخدما للعبادة حتى عام 1958.

وكانت كليس تضم في تلك الفترة أكثر من 300 عائلة يهودية، قبل أن يغادر معظم أفرادها المدينة في السنوات اللاحقة، ليغلق المبنى أمام العبادة. ورممت جدرانه الخارجية عام 1990 على يد رجال أعمال يقيمون في إسطنبول، فيما خضع المبنى كاملا لأعمال ترميم نفذتها المديرية العامة للأوقاف عام 2018.

طبيعة هادئة في منتزه حصار تشاملغي

ولا تقتصر معالم كليس على التاريخ والآثار، إذ توفر المدينة لزوارها مساحات طبيعية مناسبة للراحة والاستجمام. ويقع منتزه حصار تشاملغي الطبيعي على بعد نحو 40 كيلومترا من مركز المدينة، على طريق كليس-هاتاي.

ويحيط بالمنتزه عدد من المناظر الطبيعية، ويقصده الزوار خصوصا خلال فصل الصيف للاستمتاع بالأجواء المعتدلة والتنزه والتنزه في أحضان الطبيعة.

وهكذا تقدم كليس صورة لمدينة تتداخل فيها طبقات التاريخ والحضارة، من التلال الأثرية التي تعود إلى آلاف السنين، إلى آثار المسيحية المبكرة والتراث الإسلامي والعثماني، مرورا بذاكرة التنوع الديني والعمارة التقليدية والطبيعة. لتبقى الولاية واحدة من الوجهات التركية التي تحمل في تفاصيلها إرثا حضاريا غنيا يستحق الاكتشاف.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!