
ترك برس
وثقت شبكة الجزيرة من داخل أحد أحواض تصنيع السفن في تركيا مرحلة متقدمة من بناء سفينة عسكرية جديدة لم يُعلن عنها رسمياً، في مشاهد تعكس تسارع أنقرة في توطين الصناعات البحرية واستبدال منظومات أجنبية بأخرى محلية.
وسلطت المشاهد التصنيع وحدود الاستقلال"- الضوء على التسارع الحاصل في توطين الصناعات البحرية العسكرية، والمساعي الراهنة لرفع نسبة المكون المحلي في القطع البحرية من 80% نحو الاعتماد الذاتي الكامل.
تكامل المنظومات وتطوير البرمجيات
وفي وصول صحفي غير معتاد إلى متن الهيكل الحديدي للسفينة العسكرية غير المعلنة، أظهرت المشاهد أن أنظمة الاستشعار والأسلحة الرئيسية تأتي من شركات دفاعية وطنية، وفي مقدمتها شركتا "أسيلسان" و"روكيتسان"، في حين تتركز مهمة حوض التصنيع في تحقيق التكامل بين هذه الأنظمة وتطوير البرمجيات الدفاعية اللازمة لتناغمها التشغيلي.
ورغم أن التوطين على مستوى منصة السفينة لا يعني أن جميع طبقات الصناعة قد أصبحت محلية كليا حتى الآن، فإن التطورات الميدانية تشير إلى تقليص الفجوة الاعتمادية على الخارج بدرجة كبيرة.
استبدال المنظومات الأمريكية والأجنبية
وبشأن المدى الزمني للوصول إلى سفينة تركية الإنتاج بنسبة 100%، أكد مدير أنظمة الحرب في شركة التقنيات الدفاعية التركية، ألنور كوتشوكارمان، أن رفع نسبة المكونات المحلية من 80% إلى 100% "لم يعد هدفا بعيد المنال" في ظل مسار التوطين الجاري.
وأوضح كوتشوكارمان لـ"المتحري" أن الصناعة الوطنية نجحت في إحلال البدائل المحلية محل التسليح الأجنبي والأمريكي في عدة مستويات رئيسية:
الصواريخ المضادة للسفن: الاستغناء عن صواريخ "هاربون" الأمريكية واستبدالها بصواريخ "أتماجا" الوطنية (من إنتاج روكيتسان)، التي تتميز بمدى أطول وقدرات أداء أعلى.
الرادارات وأنظمة التوجيه: الاستعاضة عن الرادارات المستوردة برادار "جينك"، واستبدال أنظمة التحكم في إطلاق النار الأجنبية بأنظمة "عقرب" المحلية (من إنتاج أسيلسان).
الدفاع الجوي القريب: الاستغناء عن الأنظمة الأجنبية لصالح نظام "غوك دينيز" التركي.
أنابيب الطوربيد: استبدال أنابيب الطوربيد الأمريكية من طراز "مود تسعة" بأنابيب طوربيد محلية الصنع طورتها "أسيلسان".
وكشف كوتشوكارمان أن أنابيب الطوربيد التركية الجديدة صُممت بطريقة مدمجة كليا داخل هيكل السفينة، بحيث تظل مخفاة ولا تظهر للعيان إلا في لحظة الإطلاق الفعلية عند فتح الأغطية المخصصة لها، مما يعكس تمكن هندسة التصنيع المحلي من تفاصيل المنصات البحرية المعقدة.
يذكر أن برنامج "المتحري" تتبع خلال الفيلم واحدة من أبرز المحاولات الإقليمية لكسر الهيمنة الدولية على سوق السلاح، متحريا تحولات الصناعة العسكرية التركية على مدى نصف قرن.
واستجوب الفيلم صناع القرار والخبراء، بدءا من رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، والمديرين التنفيذيين وكبار المهندسين في الشركات الكبرى (أسيلسان، هافيلسان، توساش، روكيتسان وغيرها)، مرورا بشهادات جنرالات متقاعدين ووزراء دفاع، وصولا إلى تحليل خبراء عسكريين دوليين.
كيف تحولت الصناعات الدفاعية التركية من الحظر إلى التصنيع المحلي
ويمتد سعي تركيا إلى بناء صناعة دفاعية مستقلة لعقود، لكن أحد أبرز المنعطفات جاء بعد التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974 وما أعقبه من حظر أمريكي على توريد السلاح، وهو ما دفع أنقرة إلى إعادة التفكير في اعتمادها الكبير على المصادر الخارجية، وتأسيس شركات ومؤسسات محلية مثل «أسيلسان» و«هافيلسان».
وفي عام 1985، أنشأت تركيا المؤسسة التي أصبحت لاحقاً رئاسة الصناعات الدفاعية بهدف تطوير قاعدة صناعية وطنية وتحديث القوات المسلحة. لكن التحول الأكبر جاء في العقد الأول من الألفية الجديدة، ولا سيما بعد قرارات اتخذتها اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية عام 2004 أعطت أولوية أكبر للمشروعات ذات التصميم والإنتاج المحليين بدلاً من الاكتفاء بشراء الأنظمة الجاهزة من الخارج.
وخلال السنوات التالية، توسعت الصناعة التركية من تصنيع الأسلحة والذخائر التقليدية إلى مجالات أكثر تعقيداً، شملت الطائرات المسيّرة والرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية والصواريخ والسفن الحربية والمروحيات والمدرعات. وبرزت شركات مثل أسيلسان، وتوساش، وروكيتسان، وهافيلسان، وبايكار، فيما أصبحت مشاريع مثل مسيّرات «بيرقدار»، والسفينة الوطنية «ميلغم»، والدبابة «ألتاي»، والمروحية «غوكباي»، والطائرة التدريبية «حرجيت»، والمقاتلة «كآن» رموزاً لهذا التوجه.
ولم يعد الهدف التركي يقتصر على تلبية احتياجات الجيش، بل امتد إلى التصدير والمنافسة في الأسواق الدولية. وسجلت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران التركية مستوى قياسياً تجاوز 10 مليارات دولار خلال 2025، وفق رئاسة الصناعات الدفاعية، فيما بلغت صادرات القطاع خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 5.79 مليارات دولار بزيادة 26.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
غير أن طموح الاستقلال الدفاعي لا يعني أن تركيا تخلصت بالكامل من الاعتماد الخارجي؛ إذ ما تزال بعض التقنيات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها محركات الطائرات المقاتلة، تمثل تحدياً رئيسياً. ولهذا يُنظر إلى «كآن» بوصفها اختباراً يتجاوز تصنيع طائرة جديدة، ليقيس قدرة تركيا على الانتقال من إنتاج المنصات والأسلحة إلى امتلاك التقنيات الحرجة التي تحدد الاستقلال الحقيقي في الصناعات الدفاعية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











