
ترك برس
أعاد تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة إلى الواجهة جدلًا سياسيًا وإعلاميًا حول طبيعة المصطلحات المستخدمة لوصف هذه الممارسات، بين من يكتفي بتعبير "عنف المستوطنين" ومن يذهب إلى توصيفها بـ"إرهاب المستوطنين".
وفي هذا السياق، يرى الكاتب التركي سلجوق تورك يلماز، في مقال نشرته صحيفة "يني شفق"، أن النقاش لا يتعلق بمجرد اختيار لغوي، بل يرتبط بالسردية التاريخية والسياسية للصراع، ولا سيما بمفهوم "الاستعمار الاستيطاني" وما يحمله من دلالات تتصل بأصل المشروع الصهيوني وطبيعته.
ويلفت الكاتب إلى أن القرار الذي اتخذته مجموعة من الدول الأوروبية، بينها بريطانيا، بفرض عقوبات على المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، أعاد هذه المفاهيم إلى التداول في الخطاب الغربي، مشيرًا إلى ظهور تباينات بين المسؤولين الأوروبيين في توصيف ممارسات المستوطنين.
وبحسب تورك يلماز، استخدمت بعض التصريحات الغربية عبارات من قبيل "إرهاب المستوطنين" و"المستوطنين الإرهابيين"، فيما اكتفت تصريحات أخرى، بينها تصريحات لرئيس الوزراء البريطاني، بتعبيري "عنف المستوطنين" و"المستوطنات غير القانونية".
المصطلح والسردية التاريخية
ويرى الكاتب أن استخدام كلمة "مستوطن" لا يحمل في حد ذاته أي معنى يمنح الشرعية، بل إن المفهوم يحتل موقعًا مركزيًا ضمن نموذج "الاستعمار الاستيطاني"، باعتباره يشير إلى جماعات قادمة من الخارج في مقابل السكان الأصليين.
ويعتبر أن الحساسية الإسرائيلية تجاه هذا التوصيف ترتبط بما يراه سعيًا إلى تكريس رواية تعتبر اليهود الصهاينة من السكان الأصليين للأرض الفلسطينية، في مقابل محاولات تهميش الوجود الفلسطيني في السردية التاريخية.
ويذهب الكاتب إلى أن الصراع على الأرض الفلسطينية ترافق مع صراع آخر على التاريخ والرواية، معتبرًا أن إعادة تشكيل السرديات التاريخية أو تهميش اسم فلسطين يدخل في إطار ما يسميه "استعمار التاريخ".
ويشير تورك يلماز إلى أن الفلسطينيين نظروا، منذ مراحل مبكرة من القضية الفلسطينية، إلى المشروع الصهيوني والاستعمار البريطاني باعتبارهما مرتبطين ببعضهما، في حين ركز الخطاب الصهيوني على توظيف الدين والتاريخ اليهودي لدعم روايته السياسية.
انتقاد للموقف البريطاني
ويخصص الكاتب جانبًا مهمًا من مقاله لقراءة الخطاب البريطاني، معتبرًا أن الفرق بين استخدام عبارة "عنف المستوطنين" وتجنب وصف الممارسات بـ"إرهاب المستوطنين" يعكس موقفًا سياسيًا أعمق من مجرد الاختلاف في المصطلحات.
ويرى أن الخطاب البريطاني، رغم انتقاده المستوطنات غير القانونية واتخاذ إجراءات تتعلق بها، حافظ على مواقف تقليدية داعمة لإسرائيل، من خلال التركيز على إدانة حركة حماس ووصف هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بـ"الهجوم الإرهابي".
وبحسب الكاتب، فإن هذا الخطاب يتجنب وضع اعتداءات المستوطنين والسياسات الإسرائيلية في سياق الاستعمار الاستيطاني، ويفضل بدلاً من ذلك إعادة النقاش إلى قضايا الدين ومعاداة السامية.
ويعتبر تورك يلماز أن التفريق بين انتقاد سياسات إسرائيل أو المشروع الاستيطاني وبين تحميل الجاليات اليهودية مسؤولية تلك السياسات ضروري، لكنه يرى في الوقت ذاته أن التركيز على هذه القضية في الخطاب السياسي يمكن أن يؤدي، وفق قراءته، إلى إبعاد النقاش عن جذور الصراع الاستعمارية.
"الاستعمار الاستيطاني" في قلب النقاش
ويرى الكاتب أن تقييم الجرائم والانتهاكات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، من خلال إطار "الاستعمار الاستيطاني"، يفرض إعادة النظر في أدوار القوى الدولية التي ساهمت تاريخيًا في تشكيل واقع المنطقة.
ويخلص تورك يلماز إلى أن بريطانيا لا يمكن فصلها عن هذا السياق بسبب تاريخها الاستعماري في فلسطين، معتبرًا أن تجاهل هذا البعد التاريخي يجعل الخطاب الغربي حول "عنف المستوطنين" أو "المستوطنات غير القانونية" ناقصًا من وجهة نظره.
وبينما يتواصل الجدل الدولي حول الإجراءات والعقوبات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، يطرح المقال سؤالًا يتجاوز حدود المصطلحات، حول ما إذا كانت اعتداءات المستوطنين ينبغي النظر إليها بوصفها أعمال عنف منفصلة، أم باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع من الاستعمار الاستيطاني.
ومن هذا المنطلق، يدعو الكاتب إلى التعامل مع اللغة المستخدمة في توصيف ما يجري في الضفة الغربية بوصفها جزءًا من الصراع على الرواية والتاريخ، مؤكدًا أن توصيف "إرهاب المستوطنين"، من وجهة نظره، يكتسب دلالته الكاملة فقط عند وضعه في سياق المشروع الاستيطاني والاستعماري الأوسع في فلسطين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











