ترك برس

في عصر الحروب الحديثة، كثيراً ما يُختزل قياس القوة العسكرية في جداول بسيطة: عدد الدبابات والطائرات والسفن والجنود وميزانيات الدفاع. يبدو الجواب للوهلة الأولى واضحاً: المزيد من العتاد والجنود والإنفاق يعني جيشاً أقوى. لكن التاريخ العسكري المعاصر يدفع إلى التشكيك في هذا الافتراض البسيط. 

يرى المحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي كاندمير، في مقال بموقع إندبندنت تركية، أن القوة العسكرية ليست مجرد مجموع الأسلحة في المخازن، بل هي القدرة على تحويل الموارد الاقتصادية والتكنولوجية إلى قدرة قتالية حقيقية قابلة للاستخدام والاستدامة في ساحة المعركة.

يفصل الكاتب بين ثلاثة أسئلة أساسية يجب تمييزها: كم من الموارد يملك البلد؟ إلى أي مدى يحول هذه الموارد بكفاءة إلى قدرة عسكرية؟ وإلى أي مدى يستطيع استخدام ما يملكه بفعالية في الميدان؟ فعدّ الأسلحة، رغم أنه أقدم أساليب القياس وأكثرها انتشاراً في المؤشرات العامة، يظل غير كافٍ. مئة طائرة مقاتلة لدى دولة لا تساوي مئة طائرة مماثلة لدى أخرى، حتى لو كانت من الطراز نفسه. 

فجاهزية الطائرات للطيران، ومستوى تدريب الطيارين، ومخزون الذخائر، وبنية الصيانة، ومستوى التكامل مع أنظمة الرادار والقيادة، واستمرارية الإمداد في أثناء الحرب، كلها عوامل تغير النتيجة. لذا فإن المخزون مجرد مدخل من المدخلات، وليس القوة ذاتها. حتى النماذج الأكاديمية مثل مؤشر CINC التابع لمشروع Correlates of War، الذي يجمع بين السكان والإنتاج الصناعي واستهلاك الطاقة والقوى البشرية والإنفاق العسكري، تبقى محدودة في تفسير مدى كفاءة تحويل هذه الموارد إلى أداء قتالي فعلي.

هنا يظهر السؤال الثاني: لماذا قد تختلف القدرة العسكرية لدولتين لهما الحجم الاقتصادي نفسه؟ يستند الكاتب إلى نموذج طوره أشلي تيليس وزملاؤه في مؤسسة راند، الذي ينظر إلى القوة العسكرية كعملية تحويل ثلاثية المراحل. المرحلة الأولى هي الموارد الوطنية (السكان والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والموارد الطبيعية). الثانية هي قدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى قدرة عسكرية عبر جباية الضرائب، وتدريب الموارد البشرية، وتوجيه الميزانية إلى أولويات استراتيجية، وبناء القدرات المؤسسية. أما الثالثة فتحول الموارد العسكرية إلى مهارة حقيقية عبر العقيدة واللوجستيات وهيكل القيادة والجاهزية. 

المفهوم المحوري هنا هو «كفاءة التحويل». قد تملك دولة ميزانية دفاع تبلغ عشرة مليارات دولار، لكن إذا ذهب جزء كبير منها إلى أنظمة لا تعمل أو عمليات توريد غير فعالة أو منصات غير مستدامة، فإن القوة الناتجة تكون أقل مما يُتوقع. في المقابل، قد توجه دولة أخرى الموارد نفسها إلى التدريب والصيانة والاستخبارات ومخزون الذخائر والعمليات المشتركة، فتحقق نتيجة مختلفة تماماً. ومقارنة إنفاق دول الخليج بإسرائيل من هذا المنظور توضح الفرق.

أما السؤال الثالث، فيشير الكاتب إلى أعمال ستيفن بيدل حول «بناء المهارة». في الحرب الحديثة، كيفية استخدام الأسلحة لا تقل أهمية عن نوعية الأسلحة نفسها. فالجيش الذي يملك مزيداً من الدبابات ليس متفوقاً تلقائياً على جيش يملك عدداً أقل. والأمر نفسه ينطبق على القوة الجوية: قيمة المقاتلة لا تُقاس فقط بمدى الرادار أو الحمولة، بل بمصادر البيانات التي تتلقاها، وربطها بشبكة القيادة والسيطرة، ومقاومتها للحرب الإلكترونية، والوقت الذي تقضيه خارج الخدمة للصيانة. المنصات تتحول تدريجياً إلى عقد في شبكة معلوماتية واحدة تضم الرادار والأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والمقاتلات والدفاع الجوي ومركز القيادة. قيمة أي نظام تعتمد على الروابط التي يقيمها مع الأنظمة الأخرى.

يوضح الكاتب ذلك بمثال عملي: دولتان تنفقان المبلغ نفسه لشراء المقاتلات نفسها. الأولى لديها طيارون مدربون بمستوى عالٍ، وبنية صيانة قوية، ومخزون ذخائر كافٍ، وتكامل مع أنظمة الدفاع الجوي والاستخبارات والقيادة، وصناعة محلية تنتج أجزاءً حرجة وذخائر. الثانية اشترت الطائرات نفسها لكنها تعتمد على الخارج في الصيانة، وتدريب طياريها محدود، ومخزونها من الذخائر منخفض، وأنظمة قيادتها منفصلة، وهي معتمدة على الدولة المنتجة في البرمجيات وقطع الغيار. 

على الورق تبدو القوة الجوية متساوية، أما في ظروف القتال فالنتيجة مختلفة. وهنا يظهر مفارقة الإنفاق الدفاعي: سعر شراء المنصة لا يمثل تكلفة دورة حياتها الكاملة (الصيانة والأفراد والتحديث والذخائر وقطع الغيار تستمر لسنوات). إهمال هذه التكاليف يجعل القوة تبدو أكبر مما هي عليه.

إذن، كيف نقيس القوة العسكرية الحقيقية؟ يقترح الكاتب معادلة بسيطة: قاعدة الموارد × قدرة التحويل × فعالية الاستخدام × التوافق الاستراتيجي. قاعدة الموارد هي الإمكانات الاقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية. قدرة التحويل هي كفاءة المؤسسات في تحويل هذه الموارد إلى قوة عسكرية. فعالية الاستخدام تشمل التدريب والعقيدة والقيادة واللوجستيات والعمليات المشتركة. 

أما التوافق الاستراتيجي فيعني مدى ملاءمة كل ذلك للتهديدات والجغرافيا التي يواجهها البلد. لذلك فإن القوة العسكرية ليست رقماً واحداً في جدول مخزون. إلى جانب سؤال «كم سلاحاً يملك؟» يجب طرح أسئلة أخرى: كم منها يستطيع استخدامه؟ ولأي مدة؟ وهل تتحدث الأنظمة مع بعضها؟ وهل يستطيع الأفراد استخدامها بفعالية؟ وهل توجد عقيدة تناسب ظروف الحرب الحقيقية؟

في النهاية، قوة البلد العسكرية ترتبط أكثر بمدى فعالية تحويل موارده إلى قدرة قتالية مستدامة ومتكاملة، لا بحجم ترسانته. والسؤال الأساسي في الحرب الحديثة لم يعد «من يملك أسلحة أكثر؟»، بل «من يستطيع تحويل موارده بسرعة أكبر واستدامة أعلى إلى قدرة عسكرية متكاملة؟».

تعزز المصادر الحديثة والموثوقة هذه الرؤية. فمؤشرات مثل Global Firepower تواجه انتقادات متزايدة لأنها تركز على الكم وتتجاهل الجاهزية وجودة التدريب واللوجستيات والخبرة القتالية والتكامل الشبكي، كما أشار خبراء في تقييمات حديثة. وتؤكد تقارير مؤسسة هيريتيج ومؤسسة راند ومعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) في إصدارات 2026 أهمية الجاهزية وقدرة التحويل والاستدامة. 

أما دروس حرب أوكرانيا فتبرز كيف أن القدرة على إنتاج كميات هائلة من الطائرات المسيرة الرخيصة، ودمجها مع الاستخبارات والقيادة، وتحويل الموارد المدنية إلى قدرة عسكرية سريعة، قد تفوقت في بعض المجالات على المخزون التقليدي الأكبر. وبالمثل، تُظهر تجارب إسرائيل والولايات المتحدة في النزاعات الأخيرة أن دورة حياة المنصات وتكامل الشبكات ومخزون الذخائر وقدرة الصيانة تحدد الفعالية الفعلية أكثر من الأرقام الواردة في الجداول.

وهكذا، فإن فهم القوة العسكرية اليوم يتطلب تجاوز «عدّ الحبوب» إلى تحليل عميق لكيفية تحويل الموارد إلى قدرة قتالية حقيقية قابلة للاستخدام والاستمرار في ساحة المعركة الحديثة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!