ترك برس

في تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يتساءل الكاتب والباحث الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي كاندمير عما إذا كان ملف غرينلاند قد أُغلق فعلاً بعد الاتفاق الأمني الذي وُقّع في 22 أيلول/سبتمبر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند. ويرى كاندمير أن المغامرة التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخلت مرحلة جديدة: فقد أخرج الاتفاق مطالب واشنطن بشراء الجزيرة أو ضمها إلى الأراضي الأمريكية من دائرة النقاش، لكنه فتح في المقابل الباب أمام توسيع الوجود العسكري والاستراتيجي الأمريكي بشكل دائم.

يطرح الكاتب السؤال الجوهري: هل حصل ترامب على ما أراد؟ ويجيب بأن الأمر يتوقف على تعريف «ما أراد». ففي البداية، يقول كاندمير، كان هدف ترامب تثبيت السيادة الأمريكية على غرينلاند، سواء عبر الشراء أو بالإبقاء على الخيار العسكري مفتوحاً، وهو ما أثار ردود فعل حادة في الدنمارك وغرينلاند وأحدث أزمة ثقة داخل حلف شمال الأطلسي. أما الاتفاق الموقع فيؤكد أن السيادة تبقى للدنمارك، ويقر صراحة بحق شعب غرينلاند في تقرير مصيره. ويشير الكاتب إلى تأكيد رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن أن الاتفاق يحفظ سيادة بلادها ووحدة أراضيها. وبذلك لم يتحقق هدف «الاستيلاء على الأرض» الذي بدأ به ترامب.

غير أن كاندمير يؤكد أن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد. فالنظر إلى النتائج الاستراتيجية يظهر أن واشنطن تخلت عن الهدف السياسي الأولي لصالح نموذج أمني أكثر قابلية للتنفيذ. فإلى جانب توسيع قاعدة «بيتوفيك» الفضائية، سيتمكن الأمريكيون من إنشاء منطقتين دفاعيتين جديدتين في نارساسواك وميسترسفيغ، وتتسع حرية حركة قواتهم في الأجواء والمياه الإقليمية والأراضي الغرينلاندية. وهنا يبرز الفرق الجوهري، حسب الكاتب، بين شعار «أخذ غرينلاند» وهدف «السيطرة على أمنها». تبقى الأرض دنماركية، لكن وزن الولايات المتحدة في معمار الأمن يتزايد بشكل كبير، وهو ما تقدمه البيت الأبيض نفسه بوصفه سيطرة دائمة على أمن الجزيرة دون نقل للسيادة.

ويضيف كاندمير أن الاتفاق يذهب أبعد من الترتيبات العسكرية. فهو يمنع الدول غير الأعضاء في الناتو من إقامة قواعد أو وجود عسكري دائم في غرينلاند، ويفرض قيوداً صارمة على استثمارات الجهات غير المنتمية إلى الناتو والاتحاد الأوروبي في البنية التحتية الحيوية والاتصالات والمعادن الاستراتيجية. وبذلك يُرفع حاجز قانوني أمام النفوذ الروسي والصيني الاقتصادي والعسكري. ولهذا يرى الكاتب أن اختزال الاتفاق في مجرد ترتيب عسكري يُعد قاصراً، فغرينلاند تمثل إحدى العقد المهمة في مستقبل القطب الشمالي الاقتصادي والجيوسياسي.

أما عن سؤال «هل أُغلق الملف؟» فيجيب كاندمير بأن التوتر هدأ إلى حد كبير على المدى القصير. فقد حل الترتيب الأمني المتفاوض عليه محل خطاب الشراء والضم، واحتُوي التوتر داخل الناتو، وانتهت أشهر من التصعيد. لكن المصدر الأساسي للمشكلة لم يختفِ. فالسؤال تحول من «لمن ستكون غرينلاند؟» إلى «من سيشكل مستقبل غرينلاند؟». ويوضح الكاتب أن فكرة الاستقلال لم تختفِ؛ بل إن الاتفاق ينص على استمرار بعض الالتزامات العسكرية الأمريكية حتى في حال استقلال غرينلاند، ما يجعل خيارات نوك أكثر تعقيداً. كما أن ملف المعادن الحرجة – العناصر الأرضية النادرة والغرافيت والليثيوم – لم يُحل بعد، وسيبقى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين.

ويلفت كاندمير إلى أن الاتفاق يحتاج إلى موافقات برلمانية في الدنمارك وغرينلاند، وإلى قبول الرأي العام الغرينلاندي، ما يعني أن توقيع 22 أيلول/سبتمبر ليس نهاية الطريق. وفي المحصلة، يقول الكاتب، لم يتمكن ترامب من شراء الجزيرة، ولم يُرفع العلم الأمريكي عليها، وحافظت الدنمارك على سيادتها، وأُدرج حق تقرير المصير في النص. لكن من زاوية الأهداف الاستراتيجية الأمريكية تبدو الصورة أكثر تعقيداً: فالولايات المتحدة توسع وجودها العسكري دون سيادة، وتعزز معمار الدفاع في القطب الشمالي، وتضيق مساحة المناورة على روسيا والصين، وتقطع الطريق أمام الفاعلين غير الغربيين في القطاعات الاقتصادية الحرجة.

لذلك يقترح كاندمير قراءة الاتفاق لا بوصفه فشلاً أو نجاحاً كاملاً لهدف ترامب، بل بوصفه تغييراً في الأسلوب. فملف غرينلاند لم يُغلق؛ إنما أُغلق فصله الأول فقط. والصراع المقبل قد لا يدور حول ملكية الأرض بقدر ما سيدور حول من يشكل أمن غرينلاند ومواردها الطبيعية وروابطها الاقتصادية وخيار استقلالها المستقبلي. ومن هنا، يؤكد الكاتب، يبدأ فصل جديد في القطب الشمالي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!