نور أوزكان إرباي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

مضت ثلاثة أشهر على الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران. وكما أنه لا يوجد رابح في حرب لا يمكن منعها ولا إنهاؤها بالسلام، فإن الركام الذي تخلّفه وراءها لا يجلب خسائر فادحة لا يمكن تعويضها لسنوات طويلة لأطرافها فحسب، بل للبشرية جمعاء أيضاً. وفي المناخ المرهق والصدامي والفوضوي للقرن الذي نعيش فيه، بات من الواضح أن الإنسانية والمؤسسات، مهما كانت أهدافها السياسية، لم تعد قادرة على تحمّل الحروب والدمار الذي تخلّفه. وعلى الرغم من أن الحرب تُنظَّر بوصفها استمراراً للسياسة بوسائل أخرى، فقد شهدنا مراراً في تاريخنا القريب أن أي حرب تفتقر إلى الشرعية لا يمكن أن تحقق نصراً نهائياً ومطلقاً. واليوم، وكما في كل حرب، فإن المقولة الأكثر استشهاداً بها لكلاوزفيتز – والتي يمكن ترجمتها على أنها «الحرب ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية» – أصبحت بحاجة إلى إعادة نظر في هذه المرحلة بالذات. إذ إنه حتى لو امتلكتم أكبر جيش في العالم، فلا يمكن أن يكون هناك دليل أكثر وضوحاً على أن الحرب ليست وسيلة مناسبة لتحقيق الأهداف السياسية المرجوة. والحرب المستمرة بجوارنا هي أحد أكثر الأمثلة تجسيداً لذلك.

من أزمة الرهائن الإيرانية إلى اليوم: كلفة قصف إيران

منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة للمرة الثانية، جرى إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بأن الأهداف الجيوستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تمر عبر شراكة مصير مع إسرائيل، وأن الطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو شن الحرب على إيران. وقد استخدم ترامب خيار الحرب الذي لم يكن يحظى بدعم كوادره العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية، أو اضطر إلى استخدامه بطريقة ما. وقد نوقشت أسباب هذا القرار ونتائجه حتى اليوم على نطاق واسع، ومن المرجح أن يستمر الجدل حوله بوتيرة متزايدة خلال الفترة المقبلة. بل إن انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، وعلى نحو غير مألوف، لن يكون موضوعها الأول السياسة الداخلية، بل النقاشات المرتبطة بالحرب على إيران. إن الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للاستجابة لأغنية «Bomb Bomb Iran» («اقصفوا إيران») التي كانت رائجة في السياسة الأمريكية خلال ثمانينيات القرن الماضي بعد أزمة الرهائن، والتي تحولت إلى رمز دعائي للتيار الصقوري المؤيد للحرب في كل توتر يتعلق بإيران وفي مختلف التقديرات السياسية، ستضع ترامب أمام تحديات كبيرة.

الأهداف السياسية للحرب والوحش الذي لا يمكن ترويضه

واجه ترامب منذ الأسابيع الأولى للحرب حقيقة أن النظام الإيراني لن يسقط. وفي البداية، كان يعتقد أن استمرار أزمة هرمز سيمنح الولايات المتحدة أفضلية في توازنات البترودولار، لكنه أدرك خلال أيام أن الكلفة الاقتصادية والسياسية التي ستترتب على ذلك داخلياً وخارجياً ستتضاعف بشكل كبير. وعلى الرغم من أنه كان يرفع حدة خطابه بشكل شبه لحظي، فإنه كان متحمساً للغاية لإنهاء الحرب عبر اتفاق دبلوماسي وتأطير ذلك بوصفه «نجاحاً تاريخياً» يُنسب إليه. كما كان ترامب يريد وقف الاشتباكات على الجبهة اللبنانية واستمرار المحادثات الإسرائيلية–اللبنانية في واشنطن، لكنه رأى أن تحرك إسرائيل في الاتجاه المعاكس تماماً بدأ يفرض عليه كلفة إضافية. ومن جهة أخرى، فإن ترامب، الذي قدّم لإسرائيل أكبر دعم في تاريخها واستغلت تل أبيب هذه الفرصة الكبيرة لجعل إيران عاجزة تقريباً عن التحرك في المنطقة مرة أخرى، بدأ هذه المرة يعجز عن ترويض الوحش الذي غذّاه بيديه. ولهذا زاد من تحذيراته لتل أبيب قائلاً: «لا تتحركوا بشكل أحادي».

هل وصل رقص ترامب–نتنياهو إلى نهايته؟

أما التصدعات بين الولايات المتحدة وإسرائيل فقد بدأت تتعمق بشكل واضح في الأيام الأخيرة. فقد كشف تقرير نُشر قبل يومين في موقع «أكسيوس»، الذي أصبح في الفترة الأخيرة منابر الأخبار المؤثرة بفضل تقاريره الخلفية وتسريباته المعتمدة على مسؤولين في الإدارة الأمريكية، عن حجم التوتر على خط واشنطن–تل أبيب بصورة غير مسبوقة. ووفقاً للتقرير، فإن ترامب، خلال مكالمة هاتفية اتسمت بتوتر شديد، اتهم نتنياهو بأن موقفه العدواني تجاه لبنان يهدد بنسف المفاوضات الجارية مع إيران بالكامل ويعرّض العملية كلها للتخريب.

ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل أعطى إشارات إلى أنه قد يغير موقفه الداعم والمدافع عن نتنياهو، الذي يواجه قضايا فساد وإجراءات قانونية في السياسة الداخلية، إذا واصل الأخير هجماته العسكرية الأحادية الجانب. كما حذره من أنه يعرّض الأهداف والاستراتيجية الجيوسياسية الأمريكية في المنطقة للخطر.

ورغم أن التصريحات الرسمية الصادرة من الجانب الأمريكي أكدت أن المحادثة كانت «مثمرة للغاية»، فإن الأمور لا تبدو كذلك. كما أن إصرار ترامب، عقب هذه المكالمة، على نشر رسائل عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي تفيد بأنه تم التوصل إلى اتفاق مع حزب الله عبر الوسطاء وأن القوات الإسرائيلية أُعيدت من بيروت، يُعدّ بمثابة تأكيد للإنذار الذي وجهه إلى نتنياهو.

وهناك دليل آخر على أن المحادثة كانت صعبة

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس