ترك برس

في مدينة لا تنام مثل إسطنبول، حيث تتزاحم المباني والشوارع والناس، تبرز حاجة ملحة إلى مكان ينفث فيه المرء روحه ويستعيد توازنه. هنا يأتي دور هيبلي أدا، الجزيرة الثانية من حيث الحجم بين جزر الأمراء بعد بويوك أدا، تلك القطعة الخضراء الزرقاء التي تبدو وكأنها هدية خاصة منحها البحر لإسطنبول. جزيرة تنساب بين الصنوبر والمياه الهادئة، وتدعوك للبطء والتأمل بعيداً عن صخب المدينة، سواء في صيفها الدافئ أو شتائها الهادئ.

تبدأ الرحلة بحلم بسيط: تستقل العبّارة في الصباح الباكر، ترتشف الشاي بينما تتضاءل معالم المدينة خلفك، ثم تظهر أمامك صورة الجزيرة كأنها لوحة بحرية ترتفع من الماء. إسطنبول لا تزال خلفك، لكنك دخلت وجهاً آخر منها؛ وجهاً أكثر هدوءاً وخضرة وعمقاً. هنا لا يركض الزمن، بل يتمهل ليمنحك فرصة أن تتنفس وتتذكر أن الجزيرة ليست مجرد وجهة سياحية، بل مزيج من ذكريات الطفولة وإحساس العطلة ولحظة التقاط الذكريات.

كيف تصل إلى هيبلي أدا؟

الوصول إلى الجزيرة سهل ولا يتطلب جواز سفر ولا طوابير طويلة. يكفي أن تحمل بطاقة إسطنبول كارت وتختار العبّارة المناسبة. تنطلق سفن الخطوط البحرية من كاباتاش وإمينونو وبيشكتاش وكاديكوي وبستانجي ومالتيبي ضمن خط جزر الأمراء. أما إذا كنت تبحث عن أقصر رحلة بحرية، فيمكنك ركوب زورق «مافي مرمرة» من بستانجي مباشرة إلى هيبلي أدا في حوالي نصف ساعة، وإن كان سعره أعلى قليلاً من تعرفة السفن الرسمية. ولمن يفضل الراحة المطلقة، يتوفر خيار تاكسي البحر التابع لبلدية إسطنبول الكبرى، الذي يمكنك حجزه عبر التطبيق الرسمي.

أماكن لا تفوتها في الجزيرة

بعد نزولك من العبّارة، ابدأ يومك بطاقة جديدة. قرب الرصيف خيارات إفطار شهية؛ يمكنك تناول السميط والجبن والشاي في مخبز هيبلي أدا التقليدي، أو الاستمتاع بفطور تركي فاخر في مطاعم شارع مونيس. فالجولة في الجزيرة تعتمد على المشي، والطاقة ضرورية.

أول محطة تستحق التوقف هي مسجد هيبلي أدا، ذلك البناء المتواضع الذي شُيّد في العهد الجمهوري ويحمل روح الجزيرة في جدرانه الحجرية وقبتة الهادئة. اجلس في حديقته قليلاً واستمع إلى السكينة المحيطة، فهي تجربة مختلفة تماماً عن صخب الصيف.

ثم انتقل إلى متحف منزل إينونو، الذي كان مصيفاً لإسمت إينونو وتحول اليوم إلى متحف يحفظ أثاث الحقبة وصور العائلة. من حديقته المطلة على البحر تفهم لماذا اختار هذا المكان ملاذاً له في ثلاثينيات القرن الماضي.

بعدها اصعد نحو مدرسة الرهبان (دير وكنيسة آية تريادا)، البناء المهيب المخفي بين أشجار الصنوبر والمطل على البحر من الأعلى. بُني أول مرة عام 1844 ثم أُعيد بناؤه عام 1896 بعد الزلزال. رغم إغلاقه أمام الزوار حالياً، فإن واجهته الشامخة وحديقته الهادئة ومنظر المدينة من هناك كافية لتترك أثراً عميقاً. اجلس واستمع إلى أصوات النوارس؛ فقد تشعر أنك تصغي إلى تاريخ الجزيرة نفسه.

واصل الصعود إلى دير «تركي دنيا» (ترك الدنيا)، ذلك المكان الصغير الواقع على حافة المنحدر بين أشجار الصنوبر. الاسم يصف المكان بدقة؛ هنا يبدو أنك انفصلت فعلاً عن العالم، والبحر والسماء يتحدان أمامك في إطار واحد. توقف دقائق وتنفّس؛ قد تجد نفسك تردد: «هكذا يكون الانقطاع عن الدنيا».

بعد الارتفاع حان وقت النزول إلى خليج تشام ليماني، أحد أجمل خلجان الجزيرة. ظلال الصنوبر تنعكس على الماء، والشواطئ الرملية الصغيرة تدعوك للسباحة في الصيف أو المشي الهادئ على صوت الأمواج في الشتاء. المكان مثالي أيضاً للنزهات والرحلات العائلية.

وفي ختام اليوم، اصعد إلى تلة ديغيرمن أو تلة أوميت. من هناك تبدو إسطنبول مجرد صورة بعيدة، وبحر مرمرة لوحة ممتدة تحت قدميك. مشاهدة غروب الشمس من هذه التلال من أجمل اللحظات الشعرية التي تمنحك إياها هيبلي أدا.

قائمة «لا بد منها» في هيبلي أدا

استأجر دراجة هوائية واستكشف الشوارع الهادئة؛ فالدراجات جزء أصيل من تجربة جزر الأمراء، وهيبلي أدا مثالية لذلك.

أطعم النوارس السميط من العبّارة؛ قد تبدو عادة تقليدية، لكنها جزء لا يتجزأ من فرحة الوصول.

في الصيف انغمس في مياه تشام ليماني الباردة واستمتع بالشمس تحت ظلال الصنوبر. أما في الشتاء، فالمشي على صوت الأمواج وحده كافٍ لتجديد الروح.

زُر المواقع التاريخية، لكن لا تغادر دون تذوق مأكولات الجزيرة؛ سمك طازج أو مقبلات على خلفية منظر بحري رائع تلامس الروح.

اختم يومك بغروب الشمس على الشاطئ. حين يتحول السماء من البرتقالي إلى البنفسجي وتظهر صورة إسطنبول في الأفق، خذ دقائق قليلة قبل ركوب العبّارة لتعيش اللحظة. فهذه الصورة هي ما ستحمله معك في طريق العودة.

هيبلي أدا ليست مجرد جزيرة تزورها، بل مساحة تتنفس فيها، تتذكر، وتستعيد شيئاً من الهدوء الذي فقدته المدينة. سواء ذهبت في الصيف لتسبح أو في الشتاء لتتمشى في الشوارع الخالية، ستجد دائماً سبباً جديداً للعودة. فكلما سألت نفسك «متى كانت آخر مرة ذهبت فيها إلى الجزيرة؟»، تذكّر أن هيبلي أدا تنتظرك بهدوءها الأخضر والأزرق.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!