ليفنت إرسين أوراللي - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

يمثل اتفاق مكة الموقّع بين تركيا والسعودية وباكستان فرصة تاريخية من حيث إعادة تشكيل البنية الأمنية الإقليمية. كما يشكل هذا المسعى تجلياً مهماً لمحاولات دول المنطقة ضمان أمنها بإرادتها الذاتية. ففي منطقة الشرق الأوسط والخليج التي ظلت لسنوات تتشكل وفق الحسابات الاستراتيجية للقوى الخارجية، يجري إرساء أسس مفهوم جديد للأمن.

ويتمثل العنصر الأساسي الذي يمنح اتفاق مكة أهميته في قدرته المحتملة على الجمع بين القدرات العسكرية التركية، والخبرة الدفاعية الباكستانية، والقوة الاقتصادية السعودية ضمن أرضية استراتيجية مشتركة. ويتجلى المستوى الذي بلغته تركيا في مجال الصناعات الدفاعية ضمن نطاق واسع يمتد من الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي إلى المنصات البحرية وقدرات الحرب الإلكترونية. وعند الجمع بين هذه الإمكانات والقدرات العسكرية الباكستانية والموارد المالية السعودية، يمكن لهذا الرصيد أن يولّد تكاملاً قوياً من شأنه تعزيز قدرة المنطقة على الردع. وبذلك، تصبح أمن المنطقة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق دولها.

أمن المنطقة أمانة لدى دولها

لا تقتصر المسألة الأساسية هنا على جمع القوى العسكرية للدول الثلاث جنباً إلى جنب. بل تتمثل القضية الحقيقية في القدرة على تطوير آليات لتقييم التهديدات بصورة مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وإجراء المناورات المشتركة، واتخاذ القرارات بصورة منسقة في أوقات الأزمات. وإذا أمكن دعم اتفاق مكة بخطوات ملموسة في هذه المجالات، فقد يُفتح الباب أمام مرحلة جديدة بالنسبة إلى دول المنطقة التي ظلت لسنوات تعتمد على الضمانات الأمنية الخارجية.

وسيكون الدور الريادي لتركيا عاملاً حاسماً في تحقيق استقلالية الأمن الإقليمي.

لقد تشكلت سياسات القوى العالمية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، في الشرق الأوسط على مر التاريخ، حول محاور موارد الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية والنفوذ الجيوسياسي. ومن الواضح أن السياسات الأمنية لهذه الدول تجاه المنطقة لم تتوافق دائماً مع تطلعات شعوبها إلى الاستقرار والاستقلال على المدى الطويل. كما أن ترسّخ الاعتماد الأمني على الخارج يزيد من تأثير الجهات الخارجية في التوازنات الإقليمية. ولذلك، تكتسب قدرة دول المنطقة على تطوير إمكاناتها الدفاعية الخاصة واتخاذ قراراتها الاستراتيجية وفقاً لأولوياتها أهمية حيوية.

ولن يقتصر الدور الذي يمكن لتركيا الاضطلاع به هنا على توفير القدرات العسكرية فحسب. إذ يمكن لأنقرة، بفضل خبرتها الدبلوماسية وصناعاتها الدفاعية وعلاقاتها الإقليمية وقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة، أن تكون أحد العناصر المؤسسة لمفهوم الأمن المشترك. غير أن هذه الريادة لن تكتسب معناها إلا من خلال نهج يحترم اعتبارات السيادة لدى الدول الأخرى، ويستند إلى الشراكة المتكافئة، وتدعمه آليات مؤسسية.

أزمة اليمن: مرحلة جديدة في أمن الخليج

تُعد الصراعات في اليمن، وأمن التجارة البحرية في البحر الأحمر، والتنافس الإقليمي، عوامل من شأنها اختبار قدرة الدول الثلاث على التحرك المشترك. ومع ذلك، فإن أزمة معقدة ومتعددة الأطراف مثل الأزمة اليمنية لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية وحدها. بل يتعين إدارة دبلوماسية فعالة بين الأطراف، ومراعاة مخاوف الجهات الفاعلة إقليمياً، والإبقاء على قنوات الحل السياسي مفتوحة. وإلا فقد تتحول الشراكات التي أُنشئت لأغراض أمنية، من دون قصد، إلى جزء من توترات جديدة. وقد تكون القضية اليمنية أحد الاختبارات الجدية الأولى للبنية الأمنية الجديدة.

ولذلك، سيُقاس نجاح اتفاق مكة بمدى القدرة على توظيف الإمكانات العسكرية والسياسية والدبلوماسية المتاحة لإنتاج الاستقرار.

وقد يشكل اتفاق مكة بداية مرحلة استراتيجية يمكن فيها للقدرات الدفاعية التركية أن تسهم بصورة أكبر في أمن الخليج. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب إرادة مشتركة، وثقة متبادلة، وتعاوناً مستداماً، ودبلوماسية قوية. فمستقبل المنطقة يعتمد على قدرتها على إيجاد حلول لمشكلاتها بعقلها الخاص، بدلاً من البقاء رهينة الحسابات الأمنية للقوى الخارجية.

وقد يكون اتفاق مكة انطلاقة قوية على طريق تحقيق هذا الهدف. أما ريادة تركيا، فستكتسب أهمية تاريخية إذا تمكنت من تحويل التضامن الإقليمي إلى نظام أمني دائم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!