
ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل السياسي فالح الشبلي، تحولات التنافس التركي الإسرائيلي، معتبراً أن جوهر الخلاف لم يعد مقتصراً على التصريحات والتهديدات، بل بات مرتبطاً بتضارب التصورات الأمنية ومناطق النفوذ في سوريا وشرق المتوسط.
ويحلل الكاتب ثلاثة احتمالات لهذا التنافس: سعي إسرائيلي متعمد لاحتواء النفوذ التركي، أو احتكاك ناتج عن تعارض المصالح، أو إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى الإقليمية. كما يناقش حدود القوة العسكرية لدى الطرفين، وتداعيات الشراكات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص (الشطر الرومي)، ودور الولايات المتحدة في منع التصعيد.
ويحذر الشبلي من أن الردع قد يحول دون اندلاع حرب شاملة، لكنه لا يمنع الأزمات المحدودة. ويخلص إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في قدرة الطرفين على ضبط استخدام القوة ومنع التنافس على النفوذ من التحول إلى مواجهة مفتوحة. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة "عربي21":
لا يتمثل التحول الأخطر في العلاقات التركية-الإسرائيلية في تصاعد التهديدات، بل في اتساع المجال الذي تعدّه كل دولة شرطاً لأمنها، حتى غدا تقدم إحداهما تقييداً للأخرى. وهكذا ينتقل الخلاف من السياسات إلى بنية النظام الإقليمي: من يحدد الانتشار ومستقبل الجوار؟ ومتى تصبح الحماية تهديداً؟
تفسر هذه المعضلة تداخل ثلاث فرضيات ينبغي تمييزها: احتواء إسرائيلي مقصود للنفوذ التركي؛ واحتكاك ينشأ من مصالح أمنية متعارضة بلا خطة جامعة؛ وإعادة تشكيل أوسع لشبكات القوة في المشرق وشرق المتوسط. ولا يثبت الضرر التركي قصد استهدافه؛ فالتمييز بين النية والقدرة والنتيجة أساس التقدير الاستراتيجي.
تُعد سوريا الاختبار الأشد خطراً؛ فأنقرة تربط استقرار مؤسساتها بأمن حدودها ومنع الفراغ والنزوح، بينما تخشى إسرائيل أن ينتج بناء القدرات العسكرية السورية، بمساعدة تركية، ترتيبات تقيد حرية عملها. وقد أبرزت ضربة "أبو الظهور" في آب/أغسطس 2026 خطر انتقال الخلاف من التصورات إلى التداخل العملياتي، وضرورة منع سوء التقدير. لكن سوريا ليست مجرد ساحة لتفاهم الآخرين؛ فسيادتها ومؤسساتها شرط للاستقرار، وإضعاف الدولة قد يمنح حرية حركة مؤقتة، لكنه يجعل ضبط المجال الأمني أصعب.
ومن الخطأ استنتاج أن ما تنفذه إسرائيل في سوريا أو لبنان قابل للتكرار ضد تركيا، فالنجاح العملياتي لا يساوي الإخضاع الاستراتيجي؛ إذ تتغير الحسابات مع جيش نظامي كبير، وعمق جغرافي وصناعي، واستدامة عسكرية وعضوية أطلسية. هذه الخصائص لا تمنح أنقرة حصانة، ولا تلغي التفوق الإسرائيلي في مجالات نوعية، لكنها ترفع كلفة المواجهة وتزيد صعوبة تحويل الضربة إلى مكسب سياسي. لكن لا تضمن العضوية الأطلسية ردّاً جماعيّاً تلقائيّاً خارج نطاق المعاهدة.
وفي شرق المتوسط، تتخذ المنافسة صورة أقل صخباً وأكثر تراكماً. فالتعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، ومشروعات الطاقة والربط، تنتج شبكات اعتماد ومصالح أمنية تعيد توزيع النفوذ، لكنها ليست بذاتها عدواناً على تركيا، ولا دليلاً على جبهة هجومية موحدة. وكذلك فإن "السداسي" الذي طرحه نتنياهو تصور لشراكات محتملة، لا تحالف عسكري مكتمل؛ وفاعليته تقاس بالتزامات أعضائه وتحملهم كلفة الاصطفاف، لا بعدد الأسماء الواردة في الإعلان.
يبرز هنا خطر آخر؛ أن يُقرأ ضعف الدول المجاورة بوصفه مكسباً أمنيّاً قصير الأمد، بينما يتحول تفكك مؤسساتها إلى تهديد عابر للحدود. ولذلك يرتبط الاعتراض التركي على تفتيت سوريا بمصالح أمنية مباشرة، دون أن يثبت أثر العمليات مشروعاً مقصوداً للتقسيم. والتمييز بين النتائج والغايات يحمي التحليل من تحويل المخاوف إلى حقائق.
أما الولايات المتحدة فتجمعها بإسرائيل شراكة أمنية وثيقة، وبتركيا علاقة أطلسية؛ وهذا يجعلها معنية بمنع الصدام دون ضمان إزالة أسبابه. وقد تضبط آليات الإخطار حادثاً عسكريّاً، لكنها لا تحسم حدود النفوذ، فإدارة الأزمة ليست حلّاً للمعضلة.
تتوزع المسارات المقبلة بين تنافس مضبوط بقنوات اتصال، واحتواء غير مباشر بالشراكات، واحتكاك محدود قد يُحتوى أو يتسلسل إلى تصعيد أوسع، وتفاهم وظيفي ينظم العمليات دون إنهاء الخصومة. ويُختبر الاتجاه الفعلي بتغير الانتشار في سوريا، وفاعلية منع الاحتكاك، وتحول الاتفاقات البحرية إلى قدرات ملزمة، وطبيعة التدخل الأمريكي، ولا يُرجَّح مسار إلا بتراكم القرائن.
إن الردع قد يمنع الحرب الشاملة ولا يمنع الأزمات الصغيرة، فليست المسألة أي الطرفين يستطيع إلحاق الضرر بالآخر، بل: أيهما يستطيع منع استخدام القوة من إنتاج وضع أسوأ من سابقه؟ فالدولة قد توسع مجال قدرتها على الفعل، دون أن توسع قدرتها على التحكم في عواقبه. وحين تتعارض خرائط الأمن، يصبح ضبط حدود القوة أهم من استعراض حجمها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











