
تونجا بنغين - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في نوفمبر/ تشرين الثاني، تشير استطلاعات الرأي إلى أن وضع الرئيس الأمريكي ترامب يشبه جسمًا يتسارع سقوطه بفعل الجاذبية أكثر فأكثر؛ إذ يتراجع التأييد له بوتيرة متسارعة... ولعكس هذا المسار واستعادة الزخم الصاعد، يبحث ترامب عن مخرج يتيح له إعلان النصر من المستنقع الإيراني الذي تورط فيه رغمًا عنه، ومن دون أن يرغب في ذلك... ولو كان الأمر بيده، لأعاد الزمن إلى الوراء، ولما تورط في هذه الحرب إطلاقًا، بكل تأكيد... ذلك أن نسب تأييده لم تكن عند هذه المستويات قبل اندلاع الحرب على إيران... فقد أدت الحرب، وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية سلبية، إلى تآكل الدعم الذي يحظى به ترامب بسرعة... ومع ذلك، لا يزال ترامب يزعم في خطاباته وتصريحاته أنهم ألحقوا بإيران هزيمة كبيرة، ويدلي بعبارات من قبيل: «لقد كان الأمر سهلًا للغاية بالنسبة إلينا»... وفي تجمع انتخابي أقيم مؤخرًا في ولاية أوهايو، حاول أيضًا التهوين من المأزق والضائقة اللذين يواجههما والتقليل من شأنهما، قائلًا إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك، ثم أضاف:
«لم يعد لدى إيران أي شيء. ولم يعد لديها قادة أيضًا. وهذه هي المشكلة تحديدًا. لقد تمادينا كثيرًا في استهداف القادة، لأننا لم نعد نعرف مع من ينبغي لنا التعامل... كان ينبغي لنا أن نتوقف عند المرحلة الأولى...».
لكن تصريحات ترامب بعد اندلاع الحرب كانت على النحو الآتي:
«لقد غيّرنا النظام بالفعل. وأصبح لدينا الآن نظام أكثر قربًا منا من حيث بنيته وتوجهاته...».
أما ترامب نفسه، فيقول اليوم: لقد أخطأنا بقتل القادة، ولم نعد نجد طرفًا نتفاوض معه!..
إن كيفية ارتكاب هذا الخطأ والوقوع فيه أمر يعرفه الجميع... فقد وثق ترامب بالموساد الإسرائيلي ونتنياهو بدلًا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، التي تتبع إدارته، أو بالأحرى وقع في شراكهما. ووفقًا للتقارير المنشورة في الصحافة الأمريكية وتقارير الاستخبارات، فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حللت الديناميات الداخلية لإيران، وأفادت مرارًا بأن قتل القيادات لن يؤدي إلى انهيار النظام، بل سيفضي إلى الفوضى وإلى ردود انتقامية غير منضبطة تستهدف المصالح الأمريكية. لكن ترامب لم يأخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، لأنه كان ينظر إلى جهاز الاستخبارات التابع لبلاده بعين الشك، باعتباره جزءًا من «الدولة العميقة»... وقدّم نتنياهو بنفسه إلى ترامب خطة وهمية أعدها الموساد، وتَعِد باندلاع «انتفاضة شعبية تنتهي بتغيير النظام» في إيران، وتمكن من إقناعه بها. واختار ترامب تصديق وعود نتنياهو بتحقيق «النصر خلال بضعة أسابيع» بدلًا من الثقة بمؤسسات بلاده... أو أن ترامب عطّل آليات الدولة الأمريكية بنفسه، واستسلم لتوجيهات نتنياهو والموساد اللذين يتحركان وفقًا للمصالح الإقليمية الإسرائيلية. وهذا وضع لا يمكن قبوله من جانب أي دولة... فكيف إذا تعلق الأمر بالولايات المتحدة التي تسعى إلى قيادة العالم؟... وفي هذه المرحلة، بات واضحًا أن سيناريو الانتفاضة الداخلية وتغيير النظام الذي وعد به الموساد قد انهار تمامًا، بل إن الشعب الإيراني أظهر، على العكس من ذلك، كيف يدافع عن بلاده ويتمسك بها... كما أن شكوى ترامب بنفسه خلال التجمعات الانتخابية، حين قال: «لقد تمادينا كثيرًا في قتل القادة، ولم نعد نعرف مع من نتحدث»، وما عبّر عنه من ندم، يمثلان الدليل الملموس الأوضح على صحة تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وعلى أن ترامب ارتكب خطأ حين صدّق الاستراتيجية الاستخباراتية التي قدمتها إسرائيل.
واعترف ترامب، في المؤتمر الصحفي الذي عقده في المكتب البيضاوي في اليوم السابع عشر من الحرب، بخطأ آخر، حين أقر بأن الهجمات الإيرانية على دول الخليج كانت أمرًا غير متوقع بالنسبة إليه... كما ارتكب ترامب أخطاء واضحة وسوء تقدير في ما يتعلق بمضيق هرمز. وقد أدى ذلك إلى مأزق دبلوماسي، فضلًا عن توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
من الواضح كيف أوقع تورط ترامب في المستنقع الإيراني فرصه الانتخابية في مأزق... وربما يحاول، من خلال تصريحاته، تصوير إيران على أنها يائسة وعاجزة، وتهيئة أرضية تبرر موقفه وتثبت أنه كان على حق، لكن الصورة واضحة أيضًا: إيران تقول إنها مستعدة للحرب إذا كانت حربًا، وللتفاوض إذا كان تفاوضًا... أما الطرف الذي يبحث حاليًا عن مخرج، فليس إيران، بل الولايات المتحدة... ومن هذا المنظور، يتضح أن ترامب ارتكب خطأ منذ البداية عندما قرر الحرب على إيران، مدفوعًا بتحريض نتنياهو والصهاينة في الولايات المتحدة. فقد دخل حربًا لا يريدها، وانتهى به الأمر رسميًا إلى وضع المقاتل بالوكالة عن إسرائيل... كما اتضح أنه تعرض للخداع، وأن المعلومات الاستخباراتية التي قدمها الموساد لم تكن سوى معلومات فارغة ومكيدة مدبّرة... ويُنظر إلى ذلك باعتباره أكبر خطأ في السياسة الخارجية دفع الولايات المتحدة إلى مأزق استراتيجي كبير في الشرق الأوسط. وهذا تحديدًا هو سبب غضبه وسخطه على نتنياهو. لكن ما حدث قد حدث، ولا جدوى من الندم الآن... فمن المؤكد أن ترامب لم يكن ليحظى بنسبة تأييد منخفضة إلى هذا الحد لو لم تندلع الحرب على إيران. إنه يحاول عكس المسار، لكن الأمر ليس سهلًا. فقد خسر قدرًا كبيرًا من المصداقية، وبات يظهر كرئيس أمريكي عاجز عن فرض إرادته على نتنياهو وإسرائيل، وهي صورة تتناقض مع صورة «الرجل القوي» التي يسعى ترامب إلى ترسيخها... وعند النظر إلى هذه الحقيقة، يتبين أن أكبر أخطاء ترامب كان هو نفسه، حين صدّق نتنياهو...
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













