ترك برس

تشهد الأدبيات الاجتماعية والسياسية ثراءً ملحوظاً في دراسة نماذج التحديث، وهي نظريات تُدرَّس في الجامعات ضمن الفروع ذات الصلة. وعند الحديث عن العالم المركزي، يُشار عادةً إلى نموذجين بارزين: الأنجلوسكسوني والألماني. 

وفي هذا الإطار، يقدم الكاتب التركي سليمان سيفي أوغون في مقاله بصحيفة «يني شفق» قراءة معمقة لهذه النماذج، مضيفاً إليها النموذج الفرنسي، ومبيّناً كيف تساعد في فهم عمليات البناء والانهيار في العالم الحديث، مع الإشارة إلى تذبذبات ثقافية تتكرر في أوقات الأزمات.

يقول الكاتب إن النموذج الأنجلوسكسوني يحمل ثقل الديناميات الاجتماعية، وتُعدّ المملكة المتحدة وهولندا والولايات المتحدة أبرز أمثلته. فقد كانت الديناميات البرجوازية القوية، المنخرطة في التجارة وسائر الأنشطة الاقتصادية، هي العامل الحاسم في هذه المجتمعات. وهي التي حددت مسار التحديث السياسي، إذ ضغطت القوى الاجتماعية للاقتصاد الرأسمالي على النخب السياسية القديمة ذات الذهنية الإقطاعية، فأجبرتها على التراجع وحلت محلها. 

ويوضح أوغون أن هذا التحول كان الأقل صراعاً في هولندا بفضل برجوازيتها القوية ذات الطابع البروتستانتي، بينما عاشت المملكة المتحدة بعض الآلام قبل أن تلتحق بالمسار ذاته. أما في الولايات المتحدة فقد تغلبت الديناميات الاجتماعية على نظيراتها الأوروبية بدرجات، لأن العالم الجديد كان يمتلك جغرافياً شاسعة فارغة، وكانت غياب الدولة معطىً أولياً، فعملت محركات القوى الاجتماعية بحرية أكبر، وتحقق بناء الدولة إلى حد كبير تحت سيطرة النخب الاجتماعية والاقتصادية. 

ويصف الكاتب هذا النموذج بأنه اقتصادي-سياسي في جوهره، حيث قادت الديناميات الاقتصادية والاجتماعية التشكيلات السياسية.

أما النموذج الفرنسي، فيراه أوغون نموذجاً وسطاً. فقد ظهرت الحداثة الفرنسية في الغالب كتحديث للدولة، مما دفع النخب السياسية، الرافضة للانفصال عن جذورها الإقطاعية رغم حداثتها النسبية، إلى مقاومة مطالب النخب البرجوازية الصاعدة. وقد تعمقت التناقضات وأدت إلى أحداث دراماتيكية مثل الثورة. 

وفي النهاية انتصرت البرجوازية الفرنسية، وتساوى النموذج الفرنسي مع النماذج الأنجلوسكسونية، وإن متأخراً. غير أن التجربة الدولتية الفرنسية عميقة الجذور، لذا ظلت فرنسا دائماً أكثر ميلاً إلى الطابع العمومي مقارنة بهولندا والمملكة المتحدة.

وينتقل الكاتب إلى النموذج الثالث، الألماني، الذي يقوم على عكس النموذجين السابقين على تحالف قوي جداً بين النخب التقليدية والنخب الجديدة على كل المستويات. ففي المملكة المتحدة أجرت النخب القديمة تحولاً ذهنياً داخلياً، تخلت فيه عن فضائل الفروسية، وتوجهت نحو التجارة، وانسجمت مع الديناميات البرجوازية. 

أما في فرنسا فقد دخلت النخب القديمة والجديدة في مواجهة شاملة، فكان التحول مؤلماً. وفي ألمانيا حدث العكس تماماً: فقد حقنت النخب القديمة فضائل الفروسية مباشرة في الديناميات الاقتصادية (وهنا يلفت أوغون الانتباه إلى الفرق بين ثقافة الـGentry والـJunker). 

والتقى القديم والجديد في اندماج ثقافي كبير. وهكذا عاشت ألمانيا نمواً اقتصادياً وبيروقراطياً/سياسياً في فترة زمنية ضيقة نسبياً، حتى أصبحت المركز الرئيسي للثورة الصناعية الثانية.

ويؤكد الكاتب أن البنية الثقافية لهذا الاندماج تتميز بسمات سلطوية وما قبل شمولية، وتختلف جوهرياً عن النموذجين الآخرين. فالناتج الثقافي للنموذج الأول يجلس على محور ليبرالي (مباشرة في العالم الأنجلوسكسوني، وبشكل غير مباشر في فرنسا)، حيث يسبق المجتمع بهويته السياسية كأمة الدولة. أما في ألمانيا فإن الدولة هي التي تبني الأمة، والعملية ليست ليبرالية. وقد اقترن صعود ألمانيا السياسي والبيروقراطي والاقتصادي حتماً بالنزعة العسكرية. 

ويمكن القول إن الحربين العالميتين كانتا بطريقة ما محاولة للسيطرة على هذا الصعود الجامح. في الأولى هزم الغرب ألمانيا بمساعدة روسيا على مضض، وأدى فرساي إلى انهيارها، لكنه لم يدم طويلاً. ثم نهضت ألمانيا من الرماد مرة أخرى، مصطحبةً معها اليابان التي شابهتها في التحديث. وطرقت أوروبا باب روسيا السوفياتية مجدداً على مضض، ثم تدخلت الولايات المتحدة ليتحقق النصر.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، يقول أوغون إن ألمانيا وشريكها اليابان خضعا لعملية جراحية أُخصيا فيها، فأُزيلت خصيتاهما العسكريتان، وفُرضت عليهما الليبرالية قسراً، وحُوِّلت الانضباطات المستمدة من الوريد العسكري إلى الاقتصاد وحده. 

ويعترف الكاتب بنجاح هذه العملية إلى حد كبير. غير أنه يلفت إلى أنه عندما تمر المنظومة الرأسمالية بأزمات نظامية، يتحول المناخ الثقافي العالمي، وتحدث انتقالات غريبة. ففي ألمانيا وُجد دائماً محيط فكري مفتون بالنموذج الآخر، وبالمقابل وُجد في المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة معجبون دائمون بالنموذج الألماني. 

والمسألة هي أيهما يغلب الآخر ومتى. ففي أوقات الأزمات يُهمَّش الليبراليون، فيتجلى ذلك كانحلال ليبرالي، وجمهورية فايمار مثال نموذجي على ذلك، حيث تهيمن تنويعات الذهنية البروسية. وفي المقابل، يظهر كل مسار إعادة بناء بشكل ما كتنويعات للمذاهب الليبرالية. إنها دورة مستمرة.

ويختم الكاتب بالإشارة إلى أننا نعيش اليوم أزمة نظامية جديدة، وأن الروح البروسية تبعث من جديد، داعياً الله أن يكون في العون. أما عن السؤال المحتمل حول ما يجري في الأحواض خارج المركز، فيؤكد أن المناخ الفكري في العوالم غير المركزية لا يختلف؛ فالمرء يصادف هناك نسخاً لا تُحصى من المخرجات الثقافية لهذه النماذج. والتقاليد، كما يقول، لا تحيي إلا الأصل.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!