ترك برس

تواجه أوروبا في السنوات الأخيرة تحديات متشابكة تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، والضغوط على الخدمات العامة، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة، إلى جانب تصاعد الاستقطاب السياسي والاحتجاجات الاجتماعية. وفي ظل هذه التحولات، يتجدد النقاش حول قدرة المؤسسات الأوروبية على الاستجابة لمطالب المواطنين، ومدى تأثير السياسات الاقتصادية والتحولات في أسواق الطاقة على الاستقرار الاجتماعي ومستقبل النموذج الأوروبي.

وفي هذا السياق، يقدم الكاتب التركي حسن حسين أوز، في مقال نشرته صحيفة «ستار» تحت عنوان «أوروبا التي تفقد جذورها»، قراءة فكرية وسياسية للأزمات الأوروبية، مستعينًا بأفكار الفيلسوف الألماني أوزفالد شبنغلر في كتابه «أفول الغرب»، لربط الاحتجاجات المعاصرة بما يراه تفككًا للروابط الاجتماعية والثقافية، واتساعًا للفجوة بين مراكز القرار والمجتمعات المحلية.

ويرى الكاتب أن ما تشهده فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال من احتجاجات على غلاء المعيشة وصعوبة الحصول على السكن لا يمثل أزمات منفصلة، بل يعكس، بحسب تحليله، حالة أعمق من القلق بشأن المستقبل، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع الشعور بالتهميش وفقدان القدرة على التأثير في القرارات التي تمس الحياة اليومية.

ويستهل أوز مقاله بالإشارة إلى أنه يعيد قراءة كتاب شبنغلر، معتبرًا أن أفكاره توفر مدخلًا لفهم الاضطرابات التي تشهدها أوروبا اليوم. ويقول إن الطلاب والعمال والأسر المحاصرة بارتفاع تكاليف المعيشة في فرنسا، إلى جانب المتضررين من صعوبات المعيشة في إيطاليا والشباب الذين يعجزون عن العثور على مساكن في إسبانيا والبرتغال، يتحدثون لغات مختلفة في الشوارع، لكنهم يتشاركون المخاوف نفسها بشأن المستقبل.

وبحسب الكاتب، فإن هذه الاحتجاجات تكشف عن أزمة تتجاوز المطالب الاقتصادية المباشرة، لتطال طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمعات المحلية ومراكز النفوذ السياسي والمالي.

المدينة الكبرى والمال: حين تنفصل السلطة عن المجتمع

ويستند أوز إلى مقولة شبنغلر «تاريخ العالم هو تاريخ المدن»، ليشرح ما يراه تحولًا في طبيعة الحياة الأوروبية؛ إذ أصبحت المدن الكبرى، بحسب قراءته، مراكز تتركز فيها رؤوس الأموال والقرارات السياسية، بينما تتراجع قدرة المناطق الطرفية والمجتمعات المحلية على التأثير في مسار حياتها.

ويستحضر الكاتب كذلك أفكار الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بشأن «الجذمور»، الذي يشير إلى نمط من الانتشار لا يقوم على جذر أو مركز ثابت، وتحليلات ميشيل فوكو للعلاقة بين المعرفة والسلطة. ويرى أن المناخ الفكري الذي تحتل فيه السيولة والتفكك والروابط المؤقتة موقعًا متقدمًا على حساب الانتماء والذاكرة والحقيقة المشتركة، أسهم في ترسيخ حالة من فقدان الجذور، بدأت في الفكر ثم امتدت إلى الحياة الحضرية والسياسة.

ويقول أوز إن المدينة العالمية المعاصرة لم تعد مجرد شوارع مزدحمة ومبانٍ مرتفعة، بل أصبحت مكانًا تنفصل فيه رؤوس الأموال عن المجتمع، والسياسة عن الحياة اليومية. وبحسب تصوره، فإن اتساع هذه الفجوة يدفع المواطنين إلى الشعور بأن القرارات التي تحدد مستقبلهم تُتخذ بعيدًا عنهم، ويضعف إحساسهم بالقدرة على المشاركة في صياغة مصيرهم.

ويضيف الكاتب أن هذا الانفصال لا يقتصر على الجغرافيا، بل يشمل أيضًا العلاقات الاجتماعية والثقافية، معتبرًا أن الإنسان الذي يفقد صلته بأرضه وذاكرته وجيرانه يصبح أكثر عرضة للعزلة والقلق، حتى وهو يعيش في مدينة توفر مظاهر الرفاه والتقدم المادي.

التمويل والسياسة وأزمة الثقة في النخب الحاكمة

وينتقل الكاتب من التحليل الفلسفي إلى نقد العلاقة بين المال والسلطة، مستشهدًا بقول شبنغلر: «العقل يصنع، والمال يحكم»، معتبرًا أن المسارات المهنية التي انتقل عبرها بعض السياسيين الأوروبيين من المؤسسات المالية إلى مواقع القيادة السياسية تثير تساؤلات بشأن طبيعة المصالح التي تؤثر في صنع القرار.

وفي هذا السياق، يشير أوز إلى عمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقًا في بنك روتشيلد الاستثماري، وإلى تولي فريدريش ميرتس رئاسة مجلس إدارة فرع مؤسسة «بلاك روك» في ألمانيا، قبل انتقاله إلى قيادة الحكومة الألمانية.

ويقر الكاتب بأن هذه الخلفيات المهنية لا تكفي وحدها لتفسير القرارات السياسية، لكنه يرى أنها تكشف عن البيئة الاقتصادية والفكرية التي تشكل جزءًا من تكوين النخب الحاكمة، وعن الدور الذي يؤديه عالم المال في صياغة تصوراتها بشأن الاقتصاد والمجتمع.

ويضيف أن الأزمة السياسية الفرنسية، في ظل ارتفاع الدين العام وتشتت البرلمان، تحدّ من قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية. وفي هذا الإطار، تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية في 27 مارس/آذار 2026 أن الدين العام الفرنسي بلغ 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2025، فيما سجل عجز الموازنة العامة 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام نفسه.

وتوضح هذه الأرقام حجم الضغوط المالية التي تواجهها فرنسا، وإن كانت لا تثبت بمفردها أن الخلفيات المهنية للنخب المالية هي السبب المباشر للأزمة أو أن ارتفاع الدين العام يؤدي بالضرورة إلى تراجع الاستجابة الحكومية للمطالب الشعبية.

ويخلص أوز إلى أن أوروبا تعاني أزمة اقتصادية وسياسية بنيوية، تتقاطع فيها تكاليف المعيشة المرتفعة ومشكلات السكن وتراجع بعض الخدمات العامة مع الشعور بانعدام الأفق. ويلخص رؤيته بالقول إن المناصب القيادية باتت مشغولة، لكن موقع رجل الدولة القادر على توجيه المجتمع نحو مشروع مشترك لا يزال شاغرًا.

ويحذر من أن هذا الفراغ يمنح اليمين المتطرف فرصة لاستثمار الغضب الشعبي، من خلال توجيه الأنظار إلى المهاجرين والأجانب وتحميلهم مسؤولية البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية، بدلًا من معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الأعمق للأزمة.

أزمة السكن وتكاليف المعيشة تعمّقان قلق الأجيال الشابة

وتوفر البيانات الأوروبية الحديثة سياقًا مهمًا لفهم جانب من المخاوف التي يتناولها الكاتب، ولا سيما ما يتعلق بصعوبة السكن لدى الشباب.

فبحسب مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات»، في بيانات نُشرت في 29 سبتمبر/أيلول 2026، كان 26.9% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا في الاتحاد الأوروبي يعيشون في مساكن مكتظة خلال عام 2025، مقارنة بنسبة 16.8% بين مجموع السكان.

كما أفاد «يوروستات»، في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بأن أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي ارتفعت بنسبة 4.7% على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2026، فيما زادت الإيجارات بنسبة 3% خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه المؤشرات حجم التحدي الذي يواجهه الشباب في الوصول إلى سكن ملائم، وبناء حياة مستقلة، والتخطيط لمستقبلهم. وهي جوانب تتقاطع مع قراءة أوز بشأن تراجع الشعور بالاستقرار وفقدان الثقة في قدرة المؤسسات على توفير مسارات واضحة للارتقاء الاجتماعي.

لكن من المهم التمييز بين المؤشرات الإحصائية المتعلقة بالسكن والضغوط المعيشية، وبين تفسير الاحتجاجات باعتبارها دليلًا على انهيار ثقافي شامل؛ فالأرقام تثبت وجود مشكلات ملموسة، بينما يظل الربط بينها وبين أطروحة «فقدان الجذور» قراءة فكرية للكاتب.

الطاقة الروسية والفاتورة الصناعية الأوروبية

ويخصص أوز جانبًا مهمًا من مقاله لتداعيات العقوبات المفروضة على روسيا، وتقليص الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، معتبرًا أن هذه الخيارات رفعت كلفة الطاقة على الصناعة الأوروبية وأضعفت قدرتها على المنافسة.

ويقول الكاتب إن الغاز المسال، الذي يجري تسعيره في الأسواق العالمية، حل محل جزء من الغاز الذي كان يصل إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، ما أدى إلى زيادة تعرض الصناعات الأوروبية لتقلبات الأسواق الدولية. ويرى أن الكلفة الاقتصادية لهذه التحولات لم تقع على موسكو وحدها، بل تحملت المصانع الأوروبية والعاملون فيها جانبًا مهمًا منها.

وتدعم البيانات الرسمية الأوروبية وجود تحديات فعلية في هذا المجال. فقد ذكرت المفوضية الأوروبية، في تقريرها عن أسواق الغاز والكهرباء للربع الثاني من عام 2025، أن الغاز الطبيعي المسال شكّل 46% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، وأن الولايات المتحدة وفرت 58% من واردات الغاز المسال الأوروبية خلال ذلك الربع، مقابل 14% لروسيا و8% لقطر.

وتشير هذه الأرقام إلى التحول في بنية إمدادات الغاز الأوروبية، لكنها تخص الربع الثاني من عام 2025، ولا ينبغي الخلط بينها وبين النسبة السنوية التي أوردها الكاتب لعام 2025.

وفي المقابل، لا تعني هذه التحولات أن أسعار الطاقة ارتفعت بصورة مستمرة في جميع الدول الأوروبية أو أن العقوبات وحدها تفسر الضغوط الصناعية. فأسعار الطاقة تتأثر كذلك بالعرض العالمي والطلب والطقس والبنية التحتية وتكاليف النقل والسياسات الضريبية.

وتكشف البيانات الصادرة عن «يوروستات» في 8 مايو/أيار 2026 أن متوسط سعر الكهرباء للمستهلكين من غير الأسر في الاتحاد الأوروبي انخفض إلى 18.37 يورو لكل 100 كيلوواط ساعة في النصف الثاني من عام 2025، مقارنة بـ19.03 يورو في النصف الأول من العام. كما تراجع متوسط سعر الغاز للمستهلكين من غير الأسر إلى 6.05 يورو لكل 100 كيلوواط ساعة، بانخفاض نسبته 8.3% مقارنة بالنصف الأول من العام.

ومع ذلك، فإن تراجع الأسعار خلال فترة معينة لا يلغي مشكلة التكاليف المرتفعة مقارنة ببعض المنافسين العالميين. فقد أقرت المفوضية الأوروبية، عند إطلاق مبادرة «الاتفاق الصناعي النظيف» في فبراير/شباط 2025، بأن ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة العالمية الشديدة يفرضان ضغوطًا على الصناعات الأوروبية، خصوصًا قطاعات الصلب والمعادن والكيماويات، وأعلنت الحاجة إلى إجراءات لتعزيز التنافسية وخفض تكاليف الطاقة ودعم الوظائف الصناعية.

وبذلك، يلتقي تشخيص الكاتب في جانب منه مع اعتراف المؤسسات الأوروبية نفسها بوجود تحديات في تكلفة الطاقة والتنافسية الصناعية، وإن كانت المفوضية تتعامل معها باعتبارها مشكلات قابلة للمعالجة عبر السياسات والاستثمارات، لا دليلًا حتميًا على انهيار النموذج الأوروبي.

«المدينة الطفيلية» وغضب الشارع

ويعود أوز في ختام مقاله إلى مفهوم «المدينة الطفيلية» عند شبنغلر، واصفًا نمطًا من البشر انفصل عن جذوره، وأصبح ينظر إلى محيطه من موقع متعالٍ، ويختزل الحياة في الأرقام والمصالح والحسابات المادية.

ويرى الكاتب أن الحشود التي تملأ الساحات الأوروبية تحتج، في جوهر الأمر، على الوحدة والعجز اللذين أفرزتهما هذه الحياة. ويقول إن الغضب لم يتراكم فجأة في الشوارع، بل ظل يتشكل لسنوات داخل المنازل والمدارس وأماكن العمل، قبل أن يظهر في صورة احتجاجات عامة.

وبحسب قراءته، فإن أوروبا باتت تسمع في الشارع صدى النظام الذي أسهمت هي نفسها في بنائه، في إشارة إلى التناقض بين الوعود المتعلقة بالازدهار والاستقرار من جهة، والصعوبات التي يواجهها جزء من السكان في تأمين السكن والعمل والخدمات الأساسية من جهة أخرى.

ويحمل هذا الطرح تحذيرًا من أن استمرار الضغوط المعيشية، من دون استجابة سياسية مقنعة، قد يعمّق الفجوة بين المواطنين والمؤسسات، ويمنح التيارات الشعبوية والمتطرفة فرصًا أكبر لاستثمار الاستياء الاجتماعي.

أزمة مادية أم أزمة حضارية؟

في المحصلة، يقدم حسن حسين أوز قراءة تجمع بين النقد الاقتصادي والتحليل الفلسفي والسياسي، معتبرًا أن الاضطرابات التي تشهدها أوروبا ليست مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار أو صعوبة السكن، بل تعبير عن أزمة أعمق في الروابط الاجتماعية والثقافية، وفي العلاقة بين السلطة والمال والمجتمع.

وتتقاطع بعض عناصر هذه القراءة مع مؤشرات رسمية بشأن أزمة السكن، وارتفاع الدين العام الفرنسي، والتحديات التي تواجه الصناعة الأوروبية في مجال الطاقة والتنافسية. لكن تفسير هذه المؤشرات باعتبارها دليلًا على أفول حضاري شامل يظل استنتاجًا فكريًا للكاتب، لا نتيجة تثبتها البيانات الاقتصادية وحدها.

وتبقى القضية الأساسية التي يطرحها المقال مرتبطة بقدرة الدول الأوروبية على تحويل النمو الاقتصادي والمؤسسات السياسية إلى شعور ملموس بالأمان والاستقرار والعدالة الاجتماعية. فحين تتسع الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية العامة وتجربة المواطنين اليومية، تصبح الاحتجاجات وسيلة للتعبير عن أزمة الثقة، ويغدو التحدي أمام الحكومات أكبر من مجرد احتواء الغضب في الشوارع؛ إذ يتطلب معالجة الأسباب التي تجعل قطاعات من المجتمع تشعر بأن المستقبل يزداد غموضًا وأن صوتها لم يعد مسموعًا

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!