ترك برس

يرى الكاتب التركي محمد أجت، في مقال بصحيفة «خبر 7»، أن تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن التجارية في البحر الأسود يثير مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة، محذرا من أن تتحول المنطقة إلى ساحة إضافية للصراع الروسي الأوكراني، بما قد ينعكس مباشرة على أمن تركيا ومصالحها.

ويشير أجت إلى أن شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي شهد سلسلة هجمات على سفن تجارية، بينها سفن يملكها أتراك، مستعرضا حوادث قال إنها شملت تضرر وغرق سفينة «روّاد محمدوف» قبالة سواحل رومانيا في 5 أكتوبر، ومقتل شخصين، ثم غرق سفينة «ألفا وطن» قبالة بلغاريا في اليوم التالي إثر هجوم بمسيّرة.

ويضيف أن سفينتين تعرضتا لهجوم قبالة السواحل البلغارية في 13 أكتوبر، وغرقت إحداهما، فيما أصيبت ناقلتان كيميائيتان بمسيّرات قبالة رومانيا في 15 من الشهر نفسه، وفُقد سبعة بحارة. كما يشير إلى تعرض سفينة حاويات لهجوم بثلاثة زوارق مسيّرة قبالة بلغاريا في 28 أكتوبر، قبل ورود أنباء عن غرق سفينة أخرى في البحر الأسود يوم 30 من الشهر ذاته.

ويقول الكاتب إن هذه التطورات تطرح تساؤلات بشأن ما قد تشهده المنطقة خلال نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول وما بعدهما، مؤكدا أن أنقرة تنظر إلى أمن البحر الأسود باعتباره «مسألة حياة أو موت».

وفي تفسيره لأسباب التصعيد، يقول أجت إن روسيا وأوكرانيا تتحملان أدوارا في الهجمات بحكم كونهما طرفي الحرب، لكنه يلفت إلى أن تحديد المسؤوليات قد يصبح أكثر تعقيدا في بعض الحالات، على حد تعبيره. ويربط الكاتب ذلك باعتماد كييف على الدعم الأوروبي، معتبرا أن هذا الاعتماد يدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى اتخاذ خطوات تتوافق، أحيانا، مع مصالح أوروبا إلى جانب المصالح الأوكرانية، ويذهب إلى أن بعض التحركات الأوكرانية يمكن أن تعكس، في الوقت نفسه، توجهات أوروبية وغربية.

ويستعيد الكاتب بدايات الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، قائلا إن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا أكثر رغبة من روسيا في إدخال سفن حربية إلى البحر الأسود عبر المضائق التركية. ويرى أن تمسك أنقرة بحقوقها بموجب اتفاقية مونترو، ورفضها السماح بمرور السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة، حال دون تطور المشهد إلى وضع مختلف عما هو عليه اليوم.

وفي هذا السياق، يستند أجت إلى اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، التي تنظم المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وتفرض قيودا على عبور السفن الحربية، ولا سيما سفن الدول غير المطلة على البحر الأسود. وكانت تركيا قد أعلنت، في فبراير 2022، تطبيق المادة 19 من الاتفاقية، التي تتيح تقييد مرور السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة، مع استثناء السفن العائدة إلى قواعدها.

ويحذر الكاتب من أن بعض الدول الغربية قد تكون لديها مصلحة في تصعيد التوتر بالبحر الأسود بدرجة تفوق مصلحة روسيا، معتبرا أن نقل الحرب إلى المنطقة سيؤدي إلى تحول في طبيعة التهديدات التي تواجه موسكو؛ إذ ستنتقل، وفق قراءته، من الجبهة الغربية إلى الجبهة الجنوبية. ويضيف أن ذلك قد يخفف شعور أوروبا بالتهديد الروسي، لكنه قد ينقل عبء هذا التهديد إلى تركيا، التي ستجد نفسها أمام تداعيات أمنية مباشرة في محيطها البحري.

ويشدد أجت على أن سياسة التوازن التي اتبعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ اندلاع الحرب حالت، بحسب تقديره، دون امتداد المواجهة إلى الأراضي التركية أو تحول البحر الأسود إلى ساحة مواجهة أوسع. ويستحضر في هذا الإطار تصريحا سابقا لقائد القوات البحرية التركية الأدميرال أرجومنت تاتلي أوغلو، دعا فيه إلى الالتزام باتفاقية مونترو، مؤكدا أن تركيا قادرة على ضمان أمن البحر الأسود، ومحذرا من تحويله إلى ما يشبه الشرق الأوسط، أو السماح بدخول قوات أي دولة أو قوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» إليه.

ويقول الكاتب إن هذا التصريح صدر قبل نحو ثلاثة أعوام، في وقت كانت الألغام البحرية تشكل مصدر قلق في البحر الأسود، بدلا من الصواريخ والمسيّرات التي تشهدها المنطقة حاليا. ويشير إلى أن الحرب أدت آنذاك إلى إلقاء أكثر من 400 لغم في البحر، وصل 17 منها إلى السواحل التركية، وفق الأرقام التي أوردها في مقاله.

وينتقل أجت إلى زيارة زيلينسكي إلى تركيا ولقائه أردوغان في إسطنبول يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، معتبرا أن أمن البحر الأسود كان في صدارة مباحثات الرئيسين. وبحسب ما أورده الكاتب، أكد أردوغان خلال اللقاء أن أنقرة تبذل جهودا نشطة للحفاظ على الأمن والاستقرار في البحر الأسود، وشدد على رفض استهداف السفن المدنية أيا كان الطرف المسؤول عن الهجمات، كما أعلن استمرار الاتصالات مع الأطراف المعنية لإعادة تأمين الملاحة البحرية، داعيا إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية عبر المسارات الدبلوماسية.

وتتفق هذه النقاط مع ما ورد في بيان الرئاسة التركية عقب اللقاء؛ إذ قال أردوغان إن الهجمات على السفن المدنية لا يمكن قبولها، محذرا من أن اتساع نطاق المواجهة إلى البحر الأسود لا يخدم مصالح أي طرف. كما أشار زيلينسكي إلى بحث سبل ضمان عمل ممر الحبوب في البحر الأسود بفاعلية.

ويلفت الكاتب إلى أن تحركات أنقرة لا تقتصر على التواصل مع كييف، بل تشمل أيضا موسكو، إذ تنقل تركيا التحذيرات ذاتها إلى السلطات الروسية، في إطار مساعيها لمنع استهداف السفن التجارية وإبعاد الملاحة المدنية عن تداعيات الحرب. وفي سياق متصل، حذر وزير الدفاع التركي يشار غولر، في 28 أكتوبر، روسيا وأوكرانيا من مواصلة الهجمات على السفن التجارية، وقال إن بلاده تحتفظ بحق اتخاذ إجراءات قانونية إذا تعرضت السفن التي ترفع العلم التركي أو المملوكة لأتراك للاستهداف.

ويخلص أجت إلى أن هناك مسارين متقابلين في التعامل مع التطورات؛ أولهما، ما يصفه بمحاولات دفع تركيا إلى الانخراط في الحرب بوصفها طرفا غير مباشر أو «عنصرا بالوكالة»، وثانيهما مساعي أنقرة، بحسب رؤيته، لإدراك هذه المحاولات والحيلولة دون إتاحة المجال لها.

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن أمن البحر الأسود ليس مجرد ملف إقليمي بالنسبة إلى تركيا، بل قضية ترتبط بأمنها ومصالحها الاستراتيجية، معيدا التشديد على أن الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع تحولها إلى جبهة جديدة للحرب الروسية الأوكرانية يمثلان، من وجهة نظره، مسألة مصيرية لأنقرة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!